واشنطن تتجاهل نداءات الاستغاثة: زلزال أفغانستان يكشف أزمة المساعدات الأمريكية

بعد مرور ما يقرب من أسبوع على الزلزال المدمر الذي ضرب أفغانستان، مخلفًا أكثر من 2200 قتيل وعشرات الآلاف بلا مأوى، أفادت مصادر أمريكية مطلعة بأن الولايات المتحدة لم تتخذ بعد الخطوة الأولى نحو تقديم مساعدات طارئة للبلد المنكوب. هذه المماطلة تثير تساؤلات حول الدور الأمريكي في جهود الإغاثة العالمية، في ظل تحولات السياسة الخارجية التي بدأها الرئيس السابق دونالد ترامب.
واشنطن تتأخر في الاستجابة: سياسة ترامب تلقي بظلالها على الكارثة
لقد أظهرت هذه الكارثة، التي تُعد من بين الأسوأ التي شهدتها أفغانستان من حيث عدد الضحايا، تراجعًا ملحوظًا في قيادة واشنطن لجهود الإغاثة الدولية. فبعد أن كانت الولايات المتحدة رائدة في هذا المجال لعقود، جاءت تخفيضات ترامب الهائلة للمساعدات الخارجية وإغلاقه لوكالة المساعدات الأمريكية الرئيسية لتغير هذا الواقع.
ففي خطوة تعكس هذا التوجه، أغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) أبوابها بشكل رسمي الثلاثاء الماضي. وحتى الآن، لم تتضح نوايا واشنطن بخصوص تقديم أي عون، تاركةً مصير الآلاف معلقًا في مهب الريح.
رفض إعلان الحاجة الإنسانية: سابقة خطيرة في التعامل مع الكوارث
وفقًا لمسؤولين سابقين في USAID ومصدر ثالث مطلع، لم توافق وزارة الخارجية الأمريكية على إعلان وجود حاجة إنسانية في أفغانستان. يُعتبر هذا الإعلان الخطوة الأولى والأساسية في التصريح بتقديم الإغاثة الطارئة، وعادةً ما يصدر خلال 24 ساعة من وقوع أي كارثة كبرى، مما يجعل هذا التأخير سابقة مثيرة للقلق.
تشير المصادر إلى أن مسؤولي الخارجية قد بحثوا بالفعل توصيات لتقديم المساعدة، بل إن البيت الأبيض ناقش الأمر أيضًا. لكن القرار النهائي استقر على عدم التراجع عن سياسة وقف المساعدات لكابول، ما يعكس موقفًا حازمًا رغم حجم المأساة.
“طالبان” عائقًا أمام المساعدات الأمريكية: مبررات واشنطن
عند الاستفسار عن إمكانية تقديم الولايات المتحدة لأي مساعدات طارئة لأفغانستان في أعقاب الزلزال الذي بلغت قوته 6 درجات وتبعته هزات ارتدادية عنيفة، اكتفى متحدث باسم وزارة الخارجية بالقول: “ليس لدينا ما نعلنه في الوقت الحالي.” هذا الصمت الرسمي يثير مزيدًا من علامات الاستفهام حول أولويات واشنطن.
تجدر الإشارة إلى أن واشنطن كانت حتى وقت قريب أكبر مانح للمساعدات لأفغانستان، البلد الذي خاضت فيه حربًا استمرت عقدين. لكن بعد الانسحاب الأمريكي الفوضوي وسيطرة حركة طالبان على كابول في عام 2021، تغيرت المعادلة بشكل جذري.
في أبريل الماضي، قطعت إدارة ترامب جميع المساعدات الأمريكية تقريبًا عن أفغانستان، والتي بلغت قيمتها الإجمالية 562 مليون دولار. وجاء هذا القرار استنادًا إلى تقرير لهيئة رقابة أمريكية أفاد بأن منظمات إنسانية تتلقى أموالًا من الولايات المتحدة دفعت نحو 10.9 مليون دولار في شكل ضرائب ورسوم لـطالبان.
وفي تأكيد على هذا الموقف، صرح مسؤول في البيت الأبيض بأن “ترامب ثابت على موقفه بشأن ضمان عدم وصول المساعدات إلى أيدي طالبان، التي تحتجز مواطنين أمريكيين بشكل غير مشروع.” هذا الربط بين المساعدات والوضع السياسي يعمق من الأزمة الإنسانية.
صيحة استغاثة دولية: تدهور الأوضاع الإنسانية في أفغانستان
وسط هذا التجاهل الأمريكي، تتفاقم الأوضاع في أفغانستان. فبحسب ستيفن رودريجيز، ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أفغانستان، “بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح، شهدنا أيضًا تدمير بنية تحتية وسبل العيش الأساسية.” هذا الدمار يهدد مستقبل الملايين في بلد يعاني بالفعل.
من جانبها، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الانهيارات الأرضية والحطام على الطرق الرئيسية يعيقان بشكل كبير جهود الإغاثة. ودعت المنظمة إلى توفير المزيد من الأموال لتقديم الرعاية الصحية ومراقبة الأمراض، مشددة على أن الوضع يتطلب استجابة عاجلة.
وأضافت المنظمة في بيان لها: “تهدد فجوة تمويلية لا تقل عن 4 ملايين دولار بتأخير الأنشطة الحيوية، مما يؤكد الحاجة الماسة للدعم الدولي.” هذا النقص في التمويل ينذر بكارثة صحية أوسع، خاصة مع خطر انتشار الأمراض الناجم عن اكتظاظ الملاجئ والمياه غير النظيفة وسوء التعامل مع النفايات.
كما أن تدفق الأفغان الذين رحلتهم باكستان مؤخرًا يزيد من الضغط على نظام الرعاية الصحية الهش أصلاً. وقد وجهت حكومة طالبان في أفغانستان نداءً عاجلاً للحصول على مساعدات دولية بعد الكارثة.
تحديات التمويل وتفاقم الأزمة الإنسانية
لكن الإغاثة كانت شحيحة في بلد يتجاهله العالم إلى حد كبير منذ سيطرة طالبان على السلطة في 2021. فـأفغانستان تكابد لاستيعاب ملايين الأفغان المرحلين من إيران وباكستان المجاورتين، بالإضافة إلى ضحايا الجفاف في شمال البلاد، مما يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية.
وذكر مسؤول أفغاني كبير أن الأمم المتحدة، التي أشارت إلى أن الأموال المخصصة لمساعدة ضحايا الزلزال ستنفد قريبًا، تخطط لإطلاق نداء طوارئ لجمع التمويل. وقد صرفت المنظمة بالفعل 10 ملايين دولار، وهو مبلغ يتجاوز ما أعلنته الدول الغنية، على الرغم من أن بعضها أرسل مساعدات عينية مثل الخيام.
وفي تصريح لوكالة رويترز، قالت كيت كاري، نائبة رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في أفغانستان: “لدينا بعض التمويل الأولي لكننا نتطلع لإطلاق نداء عاجل.” هذا النداء يأمل في حشد الدعم الدولي لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة في واحدة من أفقر دول العالم.









