هدم الأوطان: وثائق تكشف قرنًا من استهداف المنطقة العربية
في إصدار جديد، اللواء محمد الدسوقي يفكك خرائط المؤامرات الغربية ومشاريع التقسيم التي استهدفت العالم العربي منذ بداية القرن العشرين.

صدر حديثًا عن دار النهضة العربية للنشر والتوزيع كتاب «هدم الأوطان.. المؤامرات والإفشال»، الذي يغوص في جذور الأزمات التي تعصف بالمنطقة. يقدم الكتاب، وهو الإصدار الثاني في مجال العلوم السياسية والاستراتيجية للواء دكتور محمد الدسوقي سيد الأهل، قراءة تحليلية تفكك المخططات الخارجية التي استهدفت العالم العربي على مدار قرن كامل.
يتحدى الكتاب التصور السائد بأن الأزمات الراهنة هي وليدة العقود الأخيرة فقط، مؤكدًا أن فهمًا كهذا يتجاهل الجذور التاريخية العميقة التي تمتد إلى بدايات القرن العشرين. ويربط المؤلف هذا الفهم القاصر بضعف الثقافة العامة وغياب التفكير النقدي، مما جعل المجتمعات العربية فريسة سهلة لمشكلات مصطنعة فُرضت عليها كجزء من أجندات خارجية تهدف إلى الهيمنة والسيطرة.
وثيقة كامبل بنرمان.. نقطة البداية
يضع الكتاب وثيقة كامبل بنرمان السرية الصادرة عام 1907 كنقطة انطلاق محورية في مسار الهيمنة الغربية على المنطقة. فمن خلال هذه الوثيقة، تم تصنيف العالم العربي كـ«صيد ثمين» لما يمتلكه من ثروات طبيعية ومقومات حضارية فريدة، مثل وحدة اللغة والدين والثقافة، وهو ما جعله هدفًا استراتيجيًا لمشاريع التفكيك والتقسيم لضمان عدم نهضته.
ويسرد اللواء الدسوقي كيف توالت المؤامرات الغربية ومشاريع التقسيم بعد ذلك، قائلاً: «توالت بعد ذلك مشاريع تقسيمية مثل وعد بلفور، وإعلان قيام دولة إسرائيل، وحروب بالمنطقة ومخطط الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، فكلها هدفها واحد، هو تفكيك البنية الحضارية والسياسية ومحو الهوية للعالم العربي». ويضيف أن كل صور التخريب هي «صنيعة أو أدوات جديدة لم تكن معلومة لدينا هي أدوات الحروب الحديثة».
الاستعمار الجديد وأدواته
ينتقل التحليل إلى حقبة ما بعد الاستعمار التقليدي، ليصف ما تتعرض له المنطقة بـ«الاستهداف الممنهج» أو الاستعمار الجديد. ويقدم الكتاب قراءة مختلفة لأحداث مفصلية، معتبرًا أن الثورة الإيرانية لم تكن حدثًا عابرًا، بل جاءت بدعم دولي لزعزعة استقرار المنطقة، تلاها استخدام الصراع «الإيراني – العراقي» كحرب استنزاف مدمرة، ثم الغزو العراقي للكويت الذي مهد لاحتلال العراق وتدميره بالكامل.
ويوضح الكتاب كيف أدت هذه الأحداث المتتالية إلى تسليم زمام النفوذ الإقليمي لإيران، وبروز ميليشيات مسلحة وحروب الوكالة في عدة دول عربية. كما لا يغفل التحليل الدور التركي ومحاولاته فرض نفوذه عبر تدخلات عسكرية مباشرة في سوريا والعراق، وغير مباشرة في ليبيا عبر دعم جماعات مسلحة، ضمن سياق أوسع من التنافس على مناطق النفوذ في الفراغ الذي خلفه تفكيك الدول.
مصر في قلب المواجهة.. الوعي خط الدفاع الأول
يخصص الكتاب جزءًا لتحليل ما واجهته مصر عبر تاريخها من حروب متنوعة، شملت الحروب المباشرة، وحروب الوكالة، وحروب المعلومات والإرهاب المدعوم من أجهزة استخبارات أجنبية. ويشير إلى أن هذه الحروب استهدفت دائمًا فصل الشعوب عن قياداتها ومؤسساتها بهدف تفكيك الدولة من الداخل، وهو ما تم التخطيط له خلال أحداث 2011.
ورغم خطورة المخطط، يؤكد المؤلف أن وعي الشعب المصري وتماسكه مع مؤسساته، وفي مقدمتها القوات المسلحة، كان حاسمًا في تجاوز الأزمة، وهو ما تجلى بوضوح في ثورة 30 يونيو 2013 التي أنقذت الدولة من مصير التفكك. ويختتم بالتأكيد على أن الوعي الوطني يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب الحديثة التي تعتمد على زعزعة الاستقرار الداخلي، وهو ما شدد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا، فالفهم العميق للتحديات هو السبيل الوحيد لحماية الأمن القومي ومقدرات الدولة.








