فن

نتفليكس تبتلع تاريخ هوليوود: كيف ستغير صفقة وارنر براذرز وجه صناعة الترفيه؟

في صفقة تاريخية، يندمج إرث الاستوديو العريق مع عملاق البث الرقمي، معلناً عن نهاية حقبة وبداية أخرى غامضة.

زلزال هادئ ضرب هوليوود فجر الجمعة. لم تكن هزّة أرضية، بل كان خبراً واحداً. نتفليكس، عملاق البث الذي أعاد تعريف المشاهدة المنزلية، قد فازت بالسباق الأكبر، لتستحوذ على وارنر براذرز، الاستوديو الذي نقشت أيقوناته على جدران الذاكرة السينمائية لأكثر من قرن. الصفقة، التي بلغت قيمتها الإجمالية 82.7 مليار دولار، ليست مجرد عملية استحواذ مالية، بل هي عملية دمج بين ثقافتين: ثقافة الشاشة الكبيرة، وسحر الظلام في صالات السينما، وثقافة الخوارزميات، والمشاهدة المتواصلة على الشاشات الصغيرة.

هوليوود حبست أنفاسها. فجأة، أصبح أرشيف يضم أعمالاً من “كازابلانكا” إلى “هاري بوتر” وأبطال عالم دي سي الخارقين، تحت مظلة الشركة التي بدأت كخدمة لتأجير أقراص DVD عبر البريد. إنها لحظة تعيد تشكيل ملامح القوة في صناعة الأحلام، في وقت كانت فيه هذه الصناعة تبحث عن هويتها في عالم ما بعد الجائحة.

ستارة تسقط على قرن من الزمان

لم يكن الإعلان مجرد بيان صحفي. كان بمثابة مشهد ختامي لحقبة طويلة. فشركة وارنر براذرز ديسكفري، التي تحمل إرثاً سينمائياً عريقاً، أعلنت أنها ستمضي في خططها لتقسيم نفسها إلى كيانين بحلول عام 2026. نتفليكس لن تبتلع الشركة كلها دفعة واحدة، بل ستنتظر بصبر، لتلتقط النصف الأكثر بريقاً: استوديوهات السينما والتلفزيون وخدمة HBO Max، تاركةً وراءها شبكات الكابل وقناة CNN في كيان مستقل. هذا الترتيب الدقيق يوضح أن الهدف لم يكن مجرد التوسع، بل السيطرة على جوهر صناعة المحتوى، على القصص نفسها.

“وارنر براذرز ساهمت في تشكيل صناعة الترفيه لأكثر من قرن”، هكذا قال جريج بيترز، الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس، في محاولة لطمأنة الأرواح القلقة. لكن كلماته حملت أيضاً دلالة على القوة الجديدة. “يمكننا تقديم جمهور أوسع للعوالم التي تخلقها”. يا لها من عبارة بسيطة تحمل في طياتها ثقلاً هائلاً.

لعبة العروش الإعلامية

لم تكن نتفليكس وحدها في الساحة. كانت الكواليس تعج بالهمسات والمناورات لأسابيع. كانت باراماونت، العملاق الآخر ذو التاريخ المجيد، تبدو المرشح الأوفر حظاً، مدعومة بعلاقات سياسية قوية وثقة بدت وكأنها لا تتزعزع. كان المسؤولون التنفيذيون فيها يتصرفون وكأن الحبر قد جف بالفعل على العقد. لكن في عالم الصفقات الكبرى، كما في السينما، غالباً ما تأتي الحبكة الأكثر إثارة في اللحظة الأخيرة.

فاجأت نتفليكس الجميع. لم تقدم عرضاً واحداً، بل عرضين متتاليين، كل منهما أكثر جرأة من سابقه، لتتجاوز بذلك كل ما طُرح على الطاولة. لم تكن مجرد أموال، بل كانت رسالة واضحة: المستقبل لنا. الموافقة على دفع رسوم فسخ باهظة في حال فشل الصفقة كانت بمثابة رهان أخير، حركة جريئة أغلقت الباب أمام أي منافس آخر.

أصداء الزلزال

لم يتأخر رد الفعل. الأصوات المعارضة ارتفعت من كل حدب وصوب، من أروقة السياسة في واشنطن إلى صالات السينما الصغيرة في المدن النائية. السيناتور مايك لي وصف الصفقة بأنها “تثير تساؤلات جدية حول المنافسة”، محذراً من أن هذا الاندماج سيخضع لتدقيق صارم بموجب قوانين مكافحة الاحتكار الأمريكية. أما رابطة Cinema United، التي تمثل أصحاب دور العرض، فاعتبرت الخطوة “تهديداً غير مسبوق” لنموذج العرض السينمائي التقليدي، وهو النموذج الذي لطالما أبدت نتفليكس موقفاً فاتراً تجاهه.

تحاول نتفليكس التخفيف من هذه المخاوف، وتعهدت بـ”الحفاظ على العمليات الحالية لوارنر براذرز والبناء على نقاط قوتها، بما في ذلك عروض الأفلام في السينما”. لكن الصناعة تشكك. فهل يمكن للثعلب أن يعد بحماية حظيرة الدجاج؟

ربما لخص تقرير حديث من بنك أوف أميركا المشهد برمته بعبارة واحدة قاطعة: “إذا استحوذت نتفليكس على وارنر براذرز، فإن حروب البث انتهت عملياً. ستصبح نتفليكس القوة العالمية المهيمنة في هوليوود”. لقد انتهت الحرب، وبدأ عهد جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *