مهرجان القاهرة السينمائي الـ 46: نبض الفن يعود بحكايات إنسانية وتكريم للعمالقة
القاهرة السينمائي: افتتاح الدورة 46 وتكريم أيقونات الفن

في مشهد يتجدد كل عام، لكنه يحمل في طياته دلالات عميقة، انطلقت مساء اليوم فعاليات الدورة السادسة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أحد أقدم وأعرق المهرجانات السينمائية في المنطقة. ومع توافد النجوم والشخصيات الفنية على السجادة الحمراء بدار الأوبرا المصرية، بدا واضحًا أن المهرجان لا يزال يمثل نقطة التقاء حيوية للسينما العربية والعالمية، ويؤكد على مكانة مصر كقلب نابض للفن والثقافة في المنطقة.
نجوم تتألق
كان وصول الفنانة الكبيرة يسرا على السجادة الحمراء لحظة فارقة، فهي ليست مجرد نجمة، بل أيقونة سينمائية ارتبط اسمها بتاريخ المهرجان ذاته. بتصريحاتها التي حملت مزيجًا من الحنين والتطلع، عكست يسرا مسيرة فنية تمتد لخمسين عامًا، قائلة: «50 عامًا من العمل السينمائي بالنسبة لي يساوي 50 دقيقة»، وهي جملة تختزل سنوات طويلة من الجهد والتفاني، وتُبرز التحديات والمتعة التي يواجهها الفنان في رحلته الإبداعية، مؤكدة على أن الوصول إلى هذه المكانة لم يكن سهلاً بل ثمرة صبر وعمل دؤوب.
تكريم العمالقة
ولم تقتصر تصريحات يسرا على مسيرتها الشخصية، بل امتدت لتشمل تكريمات المهرجان التي تُعد جزءًا أصيلاً من هويته. فقد عبرت عن سعادتها بتكريم المخرج محمد عبد العزيز، واصفة إياه بـ «أطيب قلب» وصاحب «أحلى أفلام في حياتي»، وهو ما يعكس تقديرًا مستحقًا لجيل من المخرجين الذين أثروا السينما المصرية. كما أشادت بتكريم الفنان خالد النبوي بجائزة فاتن حمامة، مستذكرة بداياته معها في فيلم «المهاجر» قبل 31 عامًا، وهو ما يؤكد على الجسور الفنية التي تربط الأجيال المختلفة في صناعة السينما.
انطلاقة رسمية
تحت رعاية وزارة الثقافة، انطلق المهرجان رسميًا برئاسة الفنان حسين فهمي، الذي يواصل قيادته لهذا الحدث الثقافي البارز. ويُرجّح مراقبون أن استمرارية المهرجان، رغم التحديات الإقليمية والعالمية، تؤكد على الإرادة الثقافية المصرية في دعم الفن السابع، وتعزيز دوره كقوة ناعمة. فالمهرجان لا يقتصر على عرض الأفلام فحسب، بل هو منصة للحوار وتبادل الخبرات، ونافذة تطل منها السينما المصرية على العالم، والعكس صحيح.
فيلم الافتتاح
اختيار الفيلم البرازيلي «المسار الأزرق» للمخرج جابريل ماسكارو ليكون فيلم الافتتاح، يحمل في طياته دلالات فنية عميقة. فالفيلم الذي تدور أحداثه حول قصة تيريزا، السيدة السبعينية التي ترفض مصيرها في مستعمرة للمسنين وتنطلق في رحلة عبر الأمازون، يلامس قضايا إنسانية عالمية مثل الشيخوخة، الحرية، ومقاومة القوالب المجتمعية. هذا الاختيار، بحسب محللين، يعكس توجهًا عالميًا للمهرجان نحو الأفلام التي تحمل رسائل عميقة وتدعو للتأمل في الوجود الإنساني، بعيدًا عن مجرد الترفيه.
رؤية عالمية
الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين البرازيل والمكسيك وتشيلي وهولندا، يُبرز التعاون السينمائي الدولي، فيما يؤكد سجل المخرج جابريل ماسكارو الحافل بأكثر من 50 جائزة دولية، واختيار فيلمه «ثور النيون» ضمن أفضل عشرة أفلام عالميًا، على جودة الاختيار الفني للمهرجان. هذه الأفلام ليست مجرد عروض، بل هي مرآة تعكس ثقافات مختلفة وتجارب إنسانية متنوعة، مما يثري المشهد السينمائي ويعزز التفاهم بين الشعوب. وقد شهدت السجادة الحمراء، كالعادة، توافد عدد كبير من نجوم الفن، مثل لبلبة وليلى علوي وهاني رمزي، في تأكيد على الحضور الفني القوي الذي يميز هذا الحدث.
في الختام، يظل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في دورته الـ 46، أكثر من مجرد حدث فني؛ إنه تظاهرة ثقافية تُجدد العهد بين الجمهور والسينما، وتُكرم الرواد، وتُقدم أعمالاً فنية تُثير الفكر وتُحرك المشاعر. إنه احتفال بالضوء والصورة، وبقدرة الفن على تجاوز الحدود وربط القلوب، في زمن نحتاج فيه إلى مثل هذه الروابط الإنسانية أكثر من أي وقت مضى.









