في خطوة تعكس نضجًا متسارعًا وطموحًا يتجاوز حدود العرض السينمائي، كشف مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي عن ملامح دورته الخامسة التي تنطلق الشهر المقبل في جدة. لم يعد المهرجان مجرد حدث سنوي، بل تحول إلى ذراع استراتيجي ضمن مشروع ثقافي أوسع، يهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي لصناعة السينما، مستندًا إلى دعم سخي ورؤية واضحة المعالم.
رؤية تتجاوز الشاشة الكبيرة
أكد فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، أن الدورة الخامسة تمثل “محطة نضج حقيقية وانطلاقة جديدة نحو العالمية”. هذا التصريح لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى بنية تحتية متكاملة أقامتها المؤسسة، تشمل “صندوق دعم البحر الأحمر” و”معمل البحر الأحمر”، وهي مبادرات تحول المهرجان من مجرد منصة عرض إلى حاضنة إنتاجية تهدف إلى بناء صناعة سينمائية مستدامة. يرى مراقبون أن هذا التوجه يخدم أهداف رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز القوة الناعمة السعودية.
أصوات الغد.. استثمار في المستقبل
لعل أبرز ما يميز هذه الدورة هو إطلاق مسابقة “أصوات الغد” للمواهب الناشئة بين 10 و16 عامًا. هذه المبادرة تتجاوز كونها مسابقة فنية، لتمثل استثمارًا طويل الأمد في الجيل الجديد من صناع الأفلام السعوديين. إن جودة المشاركات التي تناولت قضايا كالصداقة والوطن، كما ذكر بالطيور، تشير إلى وعي مبكر لدى الشباب بأهمية السرد القصصي، وهو ما تسعى المؤسسة إلى رعايته وتوجيهه ليعبر عن الهوية السعودية الجديدة.
منصة عربية بنكهة عالمية
مع عرض أكثر من 113 فيلمًا من 60 دولة، يثبت المهرجان قدرته على جذب الإنتاجات العالمية، لكنه يحتفظ ببوصلته العربية واضحة. وبحسب أنطوان خليفة، مدير البرمجة العربية، فإن الحضور القوي للسينما من ثماني دول عربية، وخصوصًا السينما الفلسطينية بأعمال تعالج الذاكرة والهوية، يمنح المهرجان عمقًا سياسيًا وثقافيًا. وفي هذا السياق، يضيف الناقد السينمائي المصري، علي أبو شادي، أن “مهرجان البحر الأحمر لم يعد مجرد نافذة عرض، بل تحول إلى حاضنة إنتاجية قادرة على تشكيل خريطة السينما العربية في السنوات المقبلة، منافسًا بذلك مهرجانات إقليمية عريقة”.
حضور نسائي لافت وتأكيد على التنوع
تعكس أرقام هذه الدورة التزامًا واضحًا بدعم المرأة في صناعة السينما، بمشاركة 37 مخرجة ودعم أكثر من 430 امرأة في مختلف مجالات الإنتاج. هذا التوجه، الذي أكدت عليه شيفاني بانديا، المديرة العامة للمؤسسة، لا يمثل فقط مواكبة للتوجهات العالمية، بل هو جزء لا يتجزأ من السردية الإصلاحية التي تتبناها المملكة. كما أن اختيار 10 أفلام مرشحة لتمثيل بلدانها في سباق الأوسكار يضفي على المهرجان ثقلًا دوليًا ويجعله محطة لا غنى عنها في موسم الجوائز العالمي.
في المحصلة، يتجاوز مهرجان البحر الأحمر السينمائي في دورته الخامسة كونه مجرد حدث فني، ليثبت نفسه كأداة فاعلة في مشروع التحديث السعودي، وكمنصة رئيسية تسعى لإعادة تعريف المشهد الثقافي في المنطقة بأكملها، جاعلًا من جدة وجهة لا يمكن تجاهلها على خريطة السينما العالمية.
