فن

مهرجان البحر الأحمر: أطفال السينما يكشفون ندوب عالم الكبار القاسية

رحلة سينمائية عميقة عبر عيون الصغار في مواجهة واقع مضطرب

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

شهدت مسابقة الأفلام الطويلة في الدورة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي هذا العام حضورًا لافتًا للأطفال. عرضت الشاشة حكايات أطفال حقيقيين، ومجازيين، ومتخيلين. هؤلاء الأطفال يمثلون أبناء الحاضر المضطرب، أو ورثة أزمنة سابقة. الأفلام أبقتهم أطفالًا إلى الأبد، تكريمًا لقصصهم. سبعة أطفال من ست مناطق زمنية ومكانية مختلفة ظهروا في المهرجان. جاؤوا من السعودية، فلسطين، لبنان، الصين، ماليزيا، وكوريا الجنوبية. تدور قصصهم بين أربعينيات القرن الماضي وحاضر الألفية المعقد. هؤلاء الأطفال يتأملون عالم الكبار بنظرات مشفقة. هم يخشون البلوغ، فقد أدركوا مبكرًا عمق الألم الذي ينتظر أرواحهم الصغيرة.

الطفل الكبير

منير نور الدين، بطل فيلم “يونان”، يمثل أكبر هؤلاء الأطفال. الفيلم حصد جائزتي أفضل إخراج لأمير فخر الدين، وأفضل ممثل لجورج خباز. منير روائي لبناني يعيش مهاجرًا في ألمانيا. هو يعاني من عزلة وجودية خانقة. شيء ما يضغط على أنفاسه، يمنعه من استنشاق الهواء بحرية. لا يوجد مرض جسدي، بل غصة في الروح. هذه الغصة تعيقه عن ممارسة الحب، والكتابة، والحياة. يقرر منير التمرد في لحظة غضب. هو يفعل ذلك تمامًا مثل النبي يونس (يونان في العهد القديم)، فيتجه نحو البحر.

يحمل الفيلم اسمًا مأخوذًا من الكتاب المقدس، مما يبرز طابعه الشعري والمجازي. فيلم “يونان” شعري بامتياز. منير ليس شخصية درامية تقليدية. هو في جوهره، طفل كبير.

يعيش منير طفلاً في عالم الكبار المخيف. هذا العالم بدأ بقصة أمه البعيدة. الأم تعاني من ضعف الذاكرة، لكنها تتذكر حكاية أطلقته إلى العالم. هي قصة الراعي الذي بلا عين ولا لسان ولا أذن. زوجته لا تعرف اسمه لأنه لا يتحدث. هو يحمل لها كومات الصوف فقط، لتغزل منها حكايتهما الغريبة.

يسأل منير أمه عن هذه الحكاية عبر مكالمة طويلة. الأم لا تتذكره، لكنها تتذكر القصة. تتحول الحكاية إلى جزء من هواجس منير. أشباح عزلته تطارد باله المضطرب. هو يعاني من الجمود وفقدان الرغبة في الحياة. هذه الحياة لا تشبه ما تمناه في طفولته.

يستعيد منير الحكاية بصوت الأم أو في مخيلته. الطفل الذي يعيش بداخله يحضر كل مرة. هيئته تتغير عندما يصبح جزءًا من الحكاية. نراه يجلس بين الراعي وزوجته. شعره قصير، كطفل خرج للتو من صالون الحلاقة.

يحاول منير التصالح مع هذا الطفل بداخله. هو يهرب بخياله إلى بيت الراعي. يجد أمه هناك، تمد يدها إليه. يضطجع في حجرها المخملي. جسده رجولي، لكن روحه صغيرة وهشة. يستمع لنصائحها وهي تداعب شعره. هذه لفتة أمومية خالدة. نظرة عينه تلين، يتخلى عن الرجل الذي أصبح عليه. هو لم يحب هذا الرجل، وقد حاول الانتحار في الجزيرة المعزولة. يرتاح من عناء النضج الوهمي والعمر الطويل.

ينتقل السؤال من إمكانية استعادة العمر والأحلام، كما في حالة منير بفيلم “يونان”. سؤاله كان: “ماذا حدث للطفل الذي كنته؟”. نصل إلى سؤال المراهقة التي غادرت طفولتها للتو. هي تحمل ندوبًا مشتعلة على جسدها الجديد وروحها الغضة. في الفيلم الكوري الجنوبي “عالم الحب”، الحائز على جائزة اليسر لأفضل ممثلة لسيو سو-بين، تسأل المراهقة المضطربة: “لماذا حدث ما حدث للطفلة التي كنتها؟”.

جي-إن، بطلة فيلم “عالم الحب”، مراهقة شابة مليئة بطاقة المرحلة العمرية. نراها تقبل زميلًا لها بشغف تجاه التجربة العاطفية والجسدية. هي شغوفة بالمشاعر والتفاصيل الحسية. يسكنها مرح كبير، ويصعب السيطرة على طاقتها في البيت والمدرسة والشارع. لكن هذا كله مجرد قناع هش. تخفي خلفه سؤالًا ينفجر في وجه أمها بالسيارة. يجلسان في المغسلة الآلية، في مشهد مليء بالمجاز وعنف المكاشفة. تمر الفرشاة الضخمة على السيارة، مسببة عاصفة من المطر والصابون. تنفجر جي-إن بسؤالها: “لماذا حدث معي ما حدث؟”. تسأل: “لماذا تركتموني للعم الذي انتهك براءتي؟”. هذا حطم علاقتها بالرجال، وأفسد طفولتها، وأفشل حبها للعالم والحياة.

تصرخ جي-إن، وتصنع المخرجة مجازًا قويًا. سيو سو-بين تقدم أفضل مشاهدها. عملية الغسيل تكشف الحقيقة وتزيل الأوساخ المتراكمة عن الجسد الصغير. سيارة الأم تتحول هنا إلى استعارة. هي تمثل جسد الطفلة الذي تلوث بتحرشات العم.

يوهمنا السيناريو في البداية بتورط الأب المسافر. هو يعيش في عزلة غير مبررة. ندرك لاحقًا أن تورطه ليس كمتهم رئيسي. هو ليس الجاني، بل المتجاهل والمنكر لما تعرضت له طفلته. الفيلم يركز على الأطفال وأسئلتهم الشفافة. هذه الأسئلة تدور حول العلاقة بين أجسادهم وعالم الكبار المرعب. الأم تعمل في مدرسة، وتتساءل عن علامات تراها على جسد إحدى الطفلات. ابنتها تتعجب من عدم تساؤلها بنفس الشغف عن العلامات على جسدها. هذا حدث قبل أن تكبر وتصبح مراهقة تبحث عن التصالح مع العاطفة والجسد.

صغيرة كنت وأنت صغيرون

تتردد كلمات الأغنية العراقية:
صغيرة كنت وأنت صغيرون
حبنا بدنا بنظرات عيون
قالوا ترى ذولا يحبون!
من الصغر لما يكبرون..

ولد نينو في بيروت عند الساعة 5:05. ياسمينة ولدت في الغرفة المجاورة عند 5:06. بعدها بدقيقة، عند 5:07، تعرض المبنى للقصف. هذا حدث في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية.

تبدأ حكاية نينو وياسمينة بهذه اللحظة. المخرج سيريل عويس يقدم عبرهما ترنيمة رثاء للوطن. فيلمه “نجوم الأمل والألم” حاز جائزة “اليسر” لأفضل سيناريو. نينو وياسمينة يمثلان الجيل الذي نجا من الحرب الدموية. الظروف السياسية والاقتصادية في لبنان أفسدت عليهما الكثير من متع الشباب. حركة النجوم يوم ميلادهما تجمعهما. يلتقيان كطفلين في المدرسة الابتدائية. قصة حبهما تبدأ بنظرات العيون، تمامًا كالأغنية. هذه القصة تشكل جزيرة نجاة خيالية لهما. يحلمان بالوصول إليها للحفاظ على طفولتهما الأسطورية.

يتبع المخرج سردًا غير خطي لحكاية الطفلين. نينو يكبر ويرث مطعم عائلته. يحقق له مجدًا ماديًا وشهرة. شخصيته جذابة، يمزج الطعام بالمرح. ياسمينة تعمل في مجال الأعمال الرسمية. مشاعرها تتجمد عند حدود العمل. لا ترفع عينيها عن هاتفها الصاخب. تلتقي نينو صدفة، بتدبير من النجوم. جمودها ينهزم، ومشاعرها الساكنة تتحرر. تستعيد الطفلة التي كانت عليها. هي كانت تهمس له بحكاية الجزيرة المسحورة قبل 13 عامًا.

تتطور حكاية الطفلين التقليدية مع قصة الشابين النمطية. تركيبتهما معًا تمنح القصة نكهة درامية خاصة. الفيلم يتجنب الميلودراما السياسية المبتذلة. يركز على الرباط المقدس بين الطفلين والشابين. هذا الرباط يتجاوز كل العقبات. انفصلا وهما صغيران، وانتظرها نينو شهرًا عند عربة القطار. أهلها منعوها من رحلة الهروب. ياسمينة رفضت الهجرة إلى ألمانيا بعد لقائهما مجددًا. ثم رفضت الإنجاب منه بعد ليلة حبهما. ابنتهما أمل، تبدو أكثر نضجًا منهما. هي طفلة ثالثة انضمت للطفلين الكبيرين. الأزمة الكبرى في علاقتهما ترتبط بالوضع اللبناني الحالي. انهيار الاقتصاد والعملة والسوق والأعمال يدفع للهروب. يبدو القفز من السفينة هو الملاذ الوحيد قبل الغرق.

نينو يصر على عدم القفز من السفينة. ينجح بشكل فانتازي في إبقاء ياسمينة. هذه الفانتازيا تلون قصتهما منذ ميلادهما بفارق دقيقة. النجوم منحتهما بركتها القدرية. احتميا بحكايتهما الطفولية وجزيرتهما السحرية. نكتشف لاحقًا أن هذه الجزيرة هي لبنان نفسه. المخرج يصوره في اللقطة الأخيرة. لبنان هو القطار المتعطل، والمطعم المغلق، والبنوك المفلسة، واللحم الشحيح. لكنه أيضًا، بالنسبة لنينو وياسمينة، الملاذ الأخير.

تكررت ثنائية الأطفال هذا العام في عدة أفلام فائزة. يقطع هؤلاء الأطفال رحلة حياتية، أو مادية، أو مجازية معًا.

سوميرا، 9 سنوات، وأخوها الأصغر شافي، هما طفلان آخران. يقطعان رحلة ملحمية مخيفة من ميانمار. يهربان من احتراق بيتهما إلى ماليزيا، حيث يعيش عمهما. هذا في فيلم “أرض ضائعة” للمخرج الياباني أكيو فوجيموتو. الفيلم حاز جائزة اليسر الذهبية.

يتذكر الطفلان شجرة المانجو أمام منزلهما. الشجرة لم تحترق رغم احتراق البيت. تصبح رفيقة لهما في رحلة الهرب. هذه الرحلة تقلبهم بين المهربين واللاجئين والفارين من الاضطهاد. المخرج اختار طفلين مجردين من كل شيء. هما يملكان فقط نظرة متسائلة عن وحشية عالم الكبار. لديهما سؤال واحد لا يجدان له إجابة شافية: “لماذا لا نستطيع العودة إلى منزلنا؟”.

يمتد هذا السؤال إلى أطفال الفيلم الفلسطيني “اللي باقي منك”. الفيلم من إخراج شيرين دعيبس، وحاز جائزة اليسر الفضية. العائلة الفلسطينية طُردت من يافا عام 1948. أطفالها يتساءلون، حتى بعيونهم: “متى سنعود إلى منزلنا؟”. الأرض الضائعة ليست فقط بيت الأطفال الهاربين من الاضطهاد. هي أيضًا البقعة المقدسة المحتلة بالسلاح والوعود غير المستحقة. تذكرنا هذه القصص بمعاناة النكبة، حيث وثقت مصادر تاريخية تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم عام 1948، كما يشير موقع الأمم المتحدة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) https://www.unrwa.org/ar/node/6863.

نفهم من هنا سبب تسمية الفيلم الشرق آسيوي “أرض ضائعة” دون تعريف. التجريد يفيد التعميم. رحلة سوميرا وشافي وسؤالهما عن المنزل وشجرة المانجو لا تختلف عن أسئلة ابن سليم. هو يتساءل عن برتقال يافا الذي لم تعد عائلته تزرعه أو تقطفه. بياراته دهستها أحذية المستوطنين.

تستمر الأسئلة عبر الأجيال. هذه الأسئلة تشق طفولة الحفيد. يقبض عليه مع أبيه خلال حظر التجول. دورية إسرائيلية تجبر الأب على سب نفسه وزوجته. ابن الأب، الطفل، يفارق الطفولة منذ تلك اللحظة. يدخل عالم الكبار الملوث بالدم والامتهان. الكرامة غائبة، ولا سبيل لاستعادتها إلا بالمقاومة والحجارة.

يعود عنصر الثنائية في الفيلم الصيني “أصوات الليل”. المخرج زانج زونجشين حاز جائزة اليسر لأفضل إنجاز سينمائي في التصوير. الفيلم ينقلنا إلى الريف الصيني. الواقع الاجتماعي قاسٍ وغير مريح للنساء هناك. الكل يعمل ويعرق. الكل يعيش حياته كالأصنام، كما يصورها المخرج وسط حقول الشعير. في الطبيعة الساحرة والمؤلمة، تسمع الطفلة تشينج نداء ليليًا. تنهض وتتبعه. يظهر لها رفيقها الجديد في قلب الغابة الغامضة. هو طفل شبحي يبحث عن أمه المفقودة. تتشكل العلاقة بين هذا الثنائي الغريب عبر الأصوات الليلية. تشينج تراقب أمها نهارًا، تعمل دون توقف. تدرك بعمق أن هذا هو مستقبلها. أم صديقها الشبحي ربما فقدت روحها بسبب العمل الشاق. العمل لا ينتهي، وينهي وجود النساء المنكبات على الزرع والحصاد في دورة لا تتوقف.

الطفلة والناقة

تجمع الأفلام الفائزة بجوائز اليسر هذا العام أزمة واحدة. هي مغادرة عوالم الطفولة إلى أرض الكبار. هذه الأزمة تتجاوز النمو الطبيعي أو التطور العمري. الأطفال يغادرون نحو تصاعد لا يمنحهم فرصة الاستيعاب. يجردون بقسوة وعنف ومفاجأة من نقاء أرواحهم. ذاكرتهم لا تحمل هم الماضي أو قسوة المستقبل. هم لا يعرفون عن الحاضر سوى المرح والاستمتاع.

الفيلم السعودي “هجرة” للمخرجة شهد أمين يفكك هذه الأزمة. الفيلم حاز جائزة لجنة التحكيم. نتابع محطات المغادرة من الطفولة الملونة بالثلج الأبيض. نصل إلى جفاء الصحراء، منزوعة البهجة والصفاء. جنى، التي توشك على بلوغ الأنوثة، تصعد الحافلة. هي مع أختها الكبرى سارة وجدتها ذات الوجه الصخري. الحافلة تتجه من الطائف إلى مكة للحج عام 2001. لا أحد منهم يصل إلى عرفة أو يبلغ نهاية الرحلة المقدسة. الطرق تضيعهم. سارة تهرب، وتلحقها الجدة. الجدة تحاول منع سارة من الانفلات العاطفي، نتيجة الكبت. هذا الكبت يتجلى في كل التفاصيل، وقت ذروة الصحوة. نتابع الرحلة من عيني جنى. يتكشف لها جانب مهم خلال المطاردة الطويلة. ليس فقط تاريخ عائلتها وجدتها. الجدة جاءت مهاجرة مع أبيها من خارج المملكة قبل عقود. استقرت في صحراء الجزيرة. يتكشف لجنى أيضًا حاضرها القريب. هو مليء بالنساء المنقبات، الصارخات من أجل حدود الله. هناك رجال ضعفاء، متخلون كحبيب أختها. أو متلاعبون يسيرون على حبال الواقع. يحاولون تجنب السقوط القادم حتمًا. سائق العربة التي تقلهم في رحلة البحث يتحول تدريجيًا. هو يصبح أكثر من مجرد رفيق. يحل محل الأب الغائب في قسوته.

تتماهى جنى الصغيرة مع أختها الكبرى سارة. تشعر بالخوف من المستقبل. تدرك أنها لو أحبت أو تمردت عند الكبر، سيكون مصيرها مثل أختها. سارة مسجونة في دار رعاية بأمر الأب ومباركة المجتمع. جنى تذوب أكثر في ظل جدتها. يتكشف لها مخزون من الحكايات. هذه الحكايات تتراكم خلف قناع وجه الجدة. وجهها مصبوب على نظرة جادة لا تتغير. تخفي خلفها ابتسامة لا تظهر أبدًا.

تحول المخرجة أزمة البلاد الكبرى إلى أزمة الطفلة. جنى تكبر قبل الأوان بسبب قسوة الحاضر وغموض المستقبل. المخرجة لا تريح بطلتها الصغيرة في النهاية. تترك أسئلتها مفتوحة. جنى تعود إلى جثمان الجدة المتوفاة. لا تجد سوى ناقة سوداء تنفلت إلى الرمال. لا نعرف هل ضلت الناقة الطريق للجثمان. أم أن الجدة تحولت إلى هذا المخلوق. السائق رفيق رحلتها يقول إن الناقة تشبه النساء. الجمال والنساء يتساوون في امتلاك ذاكرة قوية. لا ينسون أبدًا من يسيء إليهم. هذه هي الحكمة التي تعبر بها جنى. تعبر من بوابة الطفولة الرحبة إلى صحراء الكبار الضيقة. تغادر بريق الثلج إلى شفرات الأصفر الباهت. طفولتها تنتهي في هذه اللحظة. ذاكرتها ستنسخ كل ما مرت به إلى الأبد. ربما لتحكيه حين تصبح جدة لحفيدة جديدة. جنى ستتمنى لتلك الحفيدة أن تعيش طفلة إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *