من مدريد لنيويورك.. مصطفى مدبولي يرسم خريطة التحركات المصرية في اجتماع الحكومة

في قلب العاصمة الإدارية الجديدة، وعلى طاولة اجتماع الحكومة الأسبوعي، لم تكن الملفات المطروحة مجرد أرقام وتقارير روتينية. بل كانت خريطة طريق لتحركات مصر الدبلوماسية والاقتصادية على الساحة الدولية، رسم ملامحها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في استعراض شامل لأسبوع حافل باللقاءات والقرارات المصيرية.
دفء العلاقات المصرية الإسبانية.. شراكة تتجاوز الدبلوماسية
كانت البداية من قصر الاتحادية، حيث استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته، الملك فيليبي السادس ملك إسبانيا والملكة ليتيزيا. لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل هي أول زيارة دولة لملك إسباني إلى مصر، تحمل في طياتها دلالات عميقة، خاصة وأنها تأتي بعد إعلان ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس السيسي التاريخية إلى مدريد في فبراير 2025. لقد كانت فرصة للتأكيد على عمق الروابط التي تجمع البلدين، وهو ما عبر عنه الملك فيليبي باعتزازه بزيارة أرض الحضارة التي تركت بصماتها على جبين الإنسانية.
امتدت أصداء هذه الزيارة إلى مقر الحكومة، حيث استقبل الدكتور مصطفى مدبولي الملك فيليبي، ليتحول الحديث من البروتوكولات إلى لغة الأرقام والمصالح المشتركة. فإسبانيا ليست مجرد صديق أوروبي، بل شريك تجاري مهم، وهناك طموح واضح لمضاعفة حجم التبادل التجاري، مستفيدين من القرب الجغرافي والخطوط الملاحية المباشرة. وقد توجت هذه الرؤية بانعقاد منتدى الأعمال المصري الإسباني، الذي كان بمثابة منصة حقيقية لرجال الأعمال من البلدين لرسم ملامح مستقبل اقتصادي مشترك.
- شراكة استراتيجية: تفعيل الإعلان الموقع في 2025 لتعزيز التعاون.
- مضاعفة التجارة: خطط طموحة لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.
- منتدى أعمال: جمع المستثمرين لدعم مسار الشراكة الاقتصادية.
عين على الشرق.. سنغافورة تبحث عن فرص استثمارية في مصر
لم تقتصر الأجندة الرئاسية على أوروبا، بل اتجهت شرقًا باستقبال الرئيس السيسي لرئيس جمهورية سنغافورة، ثارمان شانموجار أتنام. زيارة تحمل أهمية خاصة كونها الأولى له في منطقة الشرق الأوسط منذ توليه منصبه، ما يعكس اهتمامًا سنغافوريًا متزايدًا بمصر كبوابة للمنطقة. اللقاءات، التي شملت أيضًا اجتماعًا مع رئيس الوزراء، ركزت على البعد الاقتصادي، حيث شهدت الاستثمارات السنغافورية في مصر نموًا ملحوظًا، وهناك رغبة مشتركة في جذب المزيد، والاستفادة من موقع البلدين المحوري في خريطة التجارة العالمية.
صوت مصر في نيويورك.. القضية الفلسطينية على رأس الأولويات
من القاهرة، حمل رئيس الوزراء الملفات المصرية إلى نيويورك، حيث ترأس وفد مصر في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهناك، تحول التركيز إلى القضية الفلسطينية، التي كانت محورًا رئيسيًا لنشاطه. نقل مدبولي شعورًا لافتًا لمسه خلال نقاشاته مع قادة العالم، وهو تشكل رأي عام عالمي غير مسبوق يرفض الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة، مصحوبًا بغضب شديد من الانتهاكات الإنسانية.
في كلمتها أمام المؤتمر الدولي، كانت رسالة مصر واضحة وحاسمة: حل الدولتين ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية. وجددت مصر رفضها القاطع لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين، واصفة إياها بجريمة التطهير العرقي. ولم تكتفِ مصر بالتشخيص، بل قدمت رؤية للمستقبل، معلنةً عن عزمها استضافة مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة فور التوصل لوقف إطلاق النار، لضمان بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه.
من المحافل الدولية إلى أرض الواقع.. تنمية سيناء على الخريطة
وبالعودة إلى أرض الوطن، استعرض رئيس الوزراء نتائج زيارته لمنطقة القنطرة غرب، التابعة لـالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. اعتبر مدبولي هذه المنطقة الصناعية الواعدة دليلًا حيًا على إرادة الدولة في تغيير خريطة التنمية. فالمشروع الذي ظل حبرًا على ورق قبل 2011، تحول إلى واقع ملموس خلال السنوات الثلاث الأخيرة بفضل الإرادة السياسية التي دفعت بقوة نحو تنمية محور قناة السويس.
وأشاد رئيس الوزراء بحجم المشروعات والاستثمارات الضخمة التي تضخ في المنطقة، مؤكدًا أن شبكة البنية التحتية العملاقة التي نفذتها الدولة هي حجر الزاوية في جذب هذه الاستثمارات. إنها قصة نجاح تهدف إلى زيادة نسب التشغيل، وخلق فرص عمل حقيقية، وتعزيز قدرة الصادرات المصرية على المنافسة في الأسواق العالمية.
بين دبلوماسية هادئة تسعى لبناء الجسور الاقتصادية، وموقف حازم يدافع عن ثوابت الأمن القومي، يبدو أن أجندة الحكومة المصرية ترسم مسارات متعددة في آن واحد. فهل تنجح هذه التحركات المتوازية في تحقيق الاستقرار الإقليمي ودفع عجلة التنمية الداخلية في ظل عالم يموج بالتحديات؟









