فن

من حلم صعيدي إلى مسرح دولي: حكاية مهرجان المنيا الذي أشعله الشغف

كيرو صابر يروي كيف تحولت تحديات الأقاليم إلى شرارة أضاءت سماء الفن في قلب مصر، لتُولد فعالية دولية بطاقات شبابية خالصة.

في قلب القاهرة، حيث تتلاقى الأصوات وتُصنع الأحداث، اتجهت الأنظار جنوبًا. هناك، في المنيا، عروس الصعيد، يُكتب فصل جديد في حكاية المسرح المصري. فصلٌ لا تُسطّره الأضواء الباهرة المعتادة، بل طاقات شبابية آمنت بأن الحلم يمكن أن يزهر حتى في أكثر الأماكن صمتًا. هذا ما جسّده المخرج كيرو صابر، مؤسس مهرجان المنيا الدولي للمسرح، في كلماتٍ حملت أصداء سنوات من الكفاح والشغف، معلنًا عن ميلاد دورة ثالثة استثنائية، هي الأولى التي تحمل الصفة الدولية.

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. فالحكاية بدأت قبل سنوات، حين كانت فكرة إقامة فعالية مسرحية كبرى في صعيد مصر تبدو ضربًا من الخيال. لكن الخيال هو وقود الفنان. انطلق المهرجان من رحم التحديات التي طالما واجهت مبدعي الأقاليم، الذين يعملون بعيدًا عن المركز، معتمدين على إمكانيات محدودة وحماس لا ينضب. كان هذا الحماس هو السلاح الأقوى، وهو ما جعل الدورتين الأولى والثانية تتركان بصمة نجاحٍ لافتة، مهدت الطريق لهذا التحول الكبير. “إنه ميلاد أول مهرجان مسرحي دولي تدشنه طاقات شبابية آمنت بتحقيق الحلم”، قالها صابر بفخر هادئ يعكس حجم الرحلة.

### «تياترو الصعيد»… شرارة أولى في ليل طويل

لكل قصة عظيمة بداية متواضعة، وبداية هذه القصة كانت في عام 2014 مع مبادرة “تياترو الصعيد”. كانت تلك هي الشرارة الأولى. تجربة فنية اعتمدت على الشغف لا الأضواء، وعلى الموهبة لا الإمكانيات الضخمة. لقد كانت بمثابة إعلان ثقافي بأن الفن ليس حكرًا على العاصمة، وأن قلب مصر النابض في الجنوب يمتلك حكاياته الخاصة التي يستحق أن تُروى على خشبة المسرح. هذه الشرارة تحولت مع الوقت إلى شعلة، ثم إلى منارة تجذب إليها الأنظار الآن من مختلف أنحاء العالم. وكأن كل عقبة واجهها هؤلاء الشباب كانت وقودًا يزيد الحلم اشتعالًا، ليصبح مهرجان المنيا اليوم شهادة حية على أن الإرادة قادرة على نحت الجمال في الصخر.

### دورة خالد جلال… جسرٌ يمتد بين الأجيال

لم يعد الحلم وحيدًا. فمع تحوله إلى حدث دولي، حظي المهرجان بدعم رسمي لافت من وزارة الثقافة ومحافظة المنيا ووزارة الشباب والرياضة، واحتضن المجلس الأعلى للثقافة مؤتمره الصحفي، في دلالة رمزية على احتفاء المركز بهذا الصوت القادم من الجنوب. وتكتمل الصورة الفنية بتسمية هذه الدورة باسم المخرج الكبير [خالد جلال](https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF_%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%84)، في لفتة تقدير تمثل جسرًا رمزيًا يربط بين جيل الرواد وطاقة الشباب المتفجرة. إنه اعتراف متبادل؛ حيث يمنح اسم جلال ثقلًا للدورة الجديدة، ويمنح المهرجان بدوره تحية مستحقة لأحد أعمدة المسرح المصري المعاصر. وبجانب هذا التكريم، يقف فنانون كبار مثل حمزة العيلي وأبو بكر الشريف داعمين للتجربة، ليؤكدوا أن الفن المصري نسيج واحد، تتشابك خيوطه من أقصى الشمال إلى أعمق الجنوب. وهكذا، على ضفاف النيل في المنيا، لا يُعرض المسرح فحسب، بل تُروى قصة إصرارٍ ملهمة، تؤكد أن الفن الحقيقي قادر دائمًا على أن يجد طريقه نحو النور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *