من الدبابات إلى الهواتف.. كيف نقل نتنياهو معركة إسرائيل إلى الفضاء الرقمي؟
من العزلة الدولية إلى معركة السوشيال ميديا.. كيف يحاول رئيس وزراء إسرائيل قلب موازين الصراع عبر السيطرة على رواية الأجيال؟

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مقتصرًا على تفوق الدبابات أو قدرات الطيران. باتت الحرب اليوم جزءًا منها تدور على شاشات الهواتف، في خوارزميات تختار من يرى ماذا، وفي فيديوهات قصيرة تقلب موازين الرأي العام خلال ساعات. في هذا السياق قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح: “الأسلحة تتغير بمرور الوقت، وعلينا أن نقاتل بالأسلحة المناسبة لساحات المعارك التي نشارك بها.”
التصريح يعكس تحولًا استراتيجيًا: اعتراف رسمي أن الساحة الرقمية أصبحت محورًا لحروب الرواية. وفي ظل عزلة دولية متزايدة بسبب الحرب على غزة، يبحث نتنياهو عن أدوات لإعادة صناعة السرد، فوجد في منصتي «تيك توك» و«إكس» سلاحًا قابلاً للاستخدام بقوة وتأثير.
لقاء نيويورك: المؤثرون جنود في معركة الوعي
المشهد كان رمزيًا: نتنياهو في القنصلية الإسرائيلية بنيويورك، يتحدث إلى مؤثرين أميركيين—شريحة لم تعد تخضع لآلة الإعلام التقليدي، بل لها جمهورها الخاص وقدرتها على صناعة اتجاهات الرأي. نشر التصريحات عبر حسابات هؤلاء المؤثرين، ومن ثم على «إكس»، أظهر المقصود: تحويل اللغة الرسمية إلى محتوى قريب من جمهور الإنترنت.
“الأسلحة تتغير بمرور الوقت… علينا أن نقاتل بالأسلحة المناسبة لساحات المعارك التي نشارك بها.”
ما بدا في السابق تكتيكًا دعائيًا أصبح سياسة رسمية: استثمار العلاقات مع مؤثرين، شراء مساحات إعلانية، ومحاولة التأثير على الخوارزميات التي تقرر من يصل إليه المحتوى.

لماذا «تيك توك»؟ لأن الجيل الجديد هو الحَكم
«تيك توك» ليست مجرد منصة أفلام قصيرة أو رقصات؛ هي سوق أفكار وسلوكيات. جمهورها الأساسي—الجيل Z—هو المرجع الاجتماعي القادم، وصناع القرار السياسي لاحقًا. تحويل مقطع قصير إلى “ترند” يعني خلق موقف شعبي يمكن أن يضغط على صناع القرار في دولهم.
لذلك ترى إسرائيل أن صفقة «تيك توك» في الولايات المتحدة ليست مجرد صفقة تجارية بل نافذة استراتيجية: وجود شركاء وحلفاء قد يفسحان المجال لتوجيه خوارزميات، للترويج لمحتوى مؤيد، أو على الأقل لكبح المحتوى الذي يفضح ممارساتها.
صفقة البيع: فارق الأرقام يكشف الخبايا
الصفقة التي تقول تقارير أنها تقيّم الشركة الأميركية الجديدة بنحو 14 مليار دولار تُقارن بتقييم “بايت دانس” السابق (حوالي 330 مليار دولار). هذا الفرق الضخم يطرح سؤالًا واضحًا: هل ما نراه مجرد اقتصادات سوق أم لعبة مصالح سياسية وجيوـتكنولوجية؟
- البعد الجيوسياسي: الصراع الأميركي–الصيني حول التكنولوجيا والبيانات يدفع واشنطن لإبعاد شركات بعينها عن الأسواق الحساسة.
- البعد الأمني: الذريعة الرسمية حماية بيانات المستخدمين، لكن لتلك الحماية ثمنًا استراتيجيًا: من يملك المنصة يملك مفاتيح النفوذ الرقمي.
- البعد الإسرائيلي: أي تحالف أو ملكية جديدة قد تفتح قنوات تأثير لتل أبيب—حسب قراءة نتنياهو—على المحتوى الذي يصل للشباب حول العالم.

«إكس» وإيلون ماسك: ساحة النخبة وصوت القرار
بينما يمثل «تيك توك» معركة الجيل الشاب، تمثل «إكس» ساحة النخب وصناع القرار. بعد استحواذ إيلون ماسك وتحويل تويتر إلى «إكس»، تغيّرت قواعد اللعبة. المنصة أصبحت أسرع في نشر الخطابات السياسية، وأقوى في تشكيل نقاشات النخبة.
تصريحات نتنياهو حول ضرورة التواصل مع ماسك—وصفه بأنه “ليس عدواً، إنه صديق”—ليست مبالغة بل استثمار واضح للعلاقات العامة: منصة يتابعها إعلاميون، سياسيون، وقادة رأي يمكن أن تؤثر مباشرة في الخطاب السياسي العالمي.
عزلة دولية؛ لماذا السرد يصبح أولوية
إسرائيل تواجه أزمة دبلوماسية وموجة من الإدانات الدولية بسبب العمليات في غزة. جلسات الأمم المتحدة، التحقيقات الدولية، وتصاعد الاتهامات الحقوقية كلها تضع تل أبيب في موقف دفاعي. في مثل هذا السياق تصبح السيطرة على السرد العالمي ضرورة استراتيجية: إن لم تستطع أن تقنع المؤسسات، فحاول أن تؤثر في قلوب وعقول الجمهور.
لذلك تبدو استراتيجية “تأمين النفوذ الرقمي” محاولة لتعويض ما خسرته إسرائيل في الساحات الرسمية—محاولة قلب المعادلة عبر المنشورات، الفيديوهات القصيرة، والهاشتاجات التي يمكن أن تهبط في خلاصات ملايين المستخدمين.
السردية الفلسطينية: عفوية تحفر في الوجدان
في مقابل المنظومة المنظمة لإسرائيل، ظهر السلاح الفلسطيني “الناعم” قائمًا على العفوية والسرعة: هواتف بسيطة، فيديوهات من الحيّز المدني، ونشر متواصل لصور وأدلة انسانية. هاشتاجات مثل #GazaUnderAttack و#FreePalestine لم تكن مجرد وسوم؛ بل كانت قنوات ضغط سياسي واجتماعي نجحت في تحريك ضمائر حول العالم.
الفارق هنا أن المحتوى الشعبي غالبًا ما يُنظر إليه كمصدر موثوق لأنه يأتي مباشرة من الشاهد. صورة طفل بين الركام أو تعليق أم فقدت بيتها يحمل صدىً عاطفيًا يصعب مواجهته بخطاب رسمي مُنظّم.
تجارب مقارنة: العالم كتب الدرس مسبقًا
المعركة على المنصات ليست محصورة بمنطقة بعينها. دروس روسيا–أوكرانيا، الربيع العربي، وحتى الصراعات الانتخابية في الولايات المتحدة، توضح كيف يمكن للمنصات أن تُغيّر مجرى حدث أو تعيد تشكيل موقف عام.
- أوكرانيا: استخدمت المحتوى المصور لجذب تضامن عالمي سريع، ووصفتها بعض التحليلات بأنها “أول حرب تيك توك”.
- الربيع العربي: برز دور فيسبوك وتويتر كقنوات تسريع للحراك الشعبي.
- الانتخابات والدعاية: في دول غربية عديدة، أصبحت منصات التواصل ساحات لتشكيل العقائد السياسية والضغط على الناخبين.
هذا السياق العالمي يجعل سعي إسرائيل نحو النفوذ الرقمي جزءًا من استراتيجية عالمية يتعلم فيها القادة كيف يستثمرون التكنولوجيا لصالح أهدافهم.
الأبعاد النفسية والإعلامية: لماذا الفيديو القصير يفوز دائمًا؟
مقطع ثلاثون ثانية، تعليق إنساني، وموسيقى محورية—هذه عناصر تجعل الفيديو القصير أكثر تأثيرًا من خطاب مطوّل. الجمهور، خصوصًا الشاب، يتفاعل مع الصورة المباشرة والعاطفة، وليس مع اللغة الدبلوماسية الجافة.
لذلك تراهن إسرائيل على تحويل رسائلها إلى صياغات شبابية قابلة للمشاركة، والانخراط مع مؤثرين يُعرفون كيف يحولون مضمونًا جافًا إلى قصة قابلة للتداول. وفي المقابل يراهن الفلسطينيون على صدق اللحظة وعفوية الشهادة.
المعوقات: لماذا ليست الصفقة كفيلة بالفوز؟
رغم الخطط، تواجه إسرائيل تحديات حقيقية:
- مصداقية الرسالة: الجمهور أصبح متشبعًا ببروباغندا الحكومات، والمحتوى الرسمي كثيرًا ما يُقابل بشك.
- مقاومة حقوقية ومدنية: منظمات مدنية تراقب المنصات وتضغط عليها في حال ظهر انحياز واضح.
- تفوق العفوية: المحتوى الشعبي الخالص يملك قدرة على التأثير العاطفي تفوق الرسالة المنظمة.
- قابلية الخوارزميات للتلاعب: الخوارزميات نفسها أدوات؛ لكن السيطرة عليها ليست مضمونة ومكلفة سياسياً وقانونياً.
سيناريوهات المستقبل: ثلاثة مسارات محتملة
المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، لكن يمكن تلخيص المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات:
- هيمنة إسرائيلية نسبية: عبر اتفاقات مع شركات التقنية ووجود شركاء موالين، قد تحقق تل أبيب قدرة أكبر على توجيه جزء من المحتوى أو التأثير في سياسات المنصة.
- مقاومة رقمية مستمرة: استمرار الحملات الشعبية الفلسطينية وتوسّع الشبكات الدولية من الناشطين قد يحافظ على ضغط مستمر يعترض أي محاولة للهيمنة المطلقة.
- تنظيم دولي صارم: تدخل دولي لوضع قواعد واضحة لإدارة المحتوى، ما قد يضع حداً لبعض ممارسات التأثير السياسي عبر المنصات—but يفتح نقاشًا عن حرية التعبير والوصاية الرقمية.
قراءة أخلاقية وسياسية
السؤال الأخلاقي هنا ليس تقنيًا فقط: هل تتحول المنصات إلى ساحة تُشترى فيها النفوذ؟ وهل تظل حرية التعبير ممكنة عندما تصبح الخوارزميات ذات تأثير سياسي مباشر؟ الإجابات ليست بسيطة، لكن المؤكد أنها ستشكل معالم الديمقراطية الرقمية القادمة.
خاتمة: البكسل يكتب التاريخ الآن
عندما يتحدث نتنياهو عن «تيك توك» و«إكس» كـ”أسلحة”، فهو يعترف بأن أدوات الحسم تغيرت. في زمن تصنع فيه خوارزمية ماشطة اتجاهات الرأي العام، تصبح قدرة دولة على التأثير داخل هذه الخوارزميات سلطة لها نتائج ملموسة على الأرض والدبلوماسية والتاريخ.
الصراع لم يعد فقط على حدود أو في قاعات الأمم المتحدة؛ صار في خلاصات التطبيقات، في تفاعل المراهقين، وفي ذاكرة الأجيال القادمة. ومن يربح معركة البكسل قد يكتب جزءًا كبيرًا من التاريخ.

