مناهج التاريخ.. كيف تبني مصر هوية الأجيال الجديدة من «الدولة الوسطى»؟
بعيدًا عن الحلول النموذجية، تحليل يكشف الرسائل الوطنية في دروس التاريخ للصف الأول الإعدادي وكيف يربط بين الرخاء الاقتصادي والوحدة الوطنية.

مع انطلاق العام الدراسي، يتجدد اهتمام الأسر المصرية بمتابعة الأداء الدراسي لأبنائهم، خاصة في المراحل التأسيسية كالصف الأول الإعدادي. لكن الاهتمام يتجاوز مجرد البحث عن إجابات نموذجية للواجبات المدرسية، ليصل إلى فهم أعمق للرسائل التي تهدف المناهج التعليمية إلى ترسيخها في وعي الأجيال الجديدة.
وتُلقي تقييمات مادة الدراسات الاجتماعية الضوء على فلسفة تعليمية واضحة، حيث تركز على فترات محورية في تاريخ مصر القديم، لا سيما عصر الدولة الوسطى، المعروف بـ«عصر الرخاء الاقتصادي»، وفترة الضعف التي تلته وأدت إلى غزو الهكسوس، لتقدم دروسًا متكاملة في بناء الدولة وأسباب انهيارها.
دروس من العصر الذهبي
لا تأتي الأسئلة حول أسباب تسمية عصر الدولة الوسطى بـ«عصر الرخاء الاقتصادي» من فراغ، بل تهدف إلى ربط ازدهار الدولة بوجود قيادة حكيمة ومشروعات قومية كبرى. فالتركيز على إنجازات ملوك مثل أمنمحات الأول، الذي نقل العاصمة إلى «إثت تاوي» للسيطرة على البلاد، وسنوسرت الثالث، الذي أمن الحدود وأنشأ قلاعًا، وأمنمحات الثالث، الذي بنى سد اللاهون، هو تأكيد على أن الاستقرار السياسي والتخطيط الاقتصادي هما أساس قوة الدولة.
يرى خبراء تربويون أن هذه النماذج التاريخية تقدم للطلاب دروسًا مبكرة في الإدارة والمواطنة. يقول الدكتور حسن نافع، أستاذ العلوم السياسية، في تعليق له: “إن استدعاء نماذج القوة الاقتصادية والعسكرية في التاريخ المصري القديم ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو جزء من بناء الهوية الوطنية التي تعتز بالإنجاز وتدرك أهمية وجود دولة مركزية قوية قادرة على حماية مواردها وحدودها”.
عبرة الغزو والانكسار
في المقابل، يقدم المنهج الدراسي صورة مغايرة تمامًا عند تناول أسباب سقوط الدولة الوسطى ونجاح الهكسوس في احتلال مصر. فالإجابات التي تشير إلى «ضعف الملوك» و«الصراع بين حكام الأقاليم» ليست مجرد معلومات تاريخية، بل هي بمثابة تحذير من مخاطر الانقسام الداخلي وتأثيره المباشر على السيادة الوطنية.
إن قصة كفاح أبطال التحرير، بدءًا من الملكة إياح حتب التي شجعت أبناءها على القتال، وصولًا إلى الملك أحمس الذي طرد الهكسوس، تُقدَّم كملحمة وطنية تبرز قيمة الوحدة والتضحية من أجل استقلال الوطن. هذا الربط بين الضعف الناتج عن الفرقة والقوة الناتجة عن التكاتف يمثل أحد أهم الأعمدة في تشكيل الوعي السياسي المبكر للطلاب.
ما وراء المنهج: بناء للمستقبل
تكشف أسئلة التقييم، مثل «ما مقترحاتك للحفاظ على الآثار المصرية؟»، عن بُعد آخر يتجاوز الحفظ والتلقين. إنه يسعى لتحفيز التفكير النقدي لدى الطالب وربطه بواقعه المعاصر، حيث يمثل الحفاظ على التراث جزءًا لا يتجزأ من الحفاظ على الهوية. فالدعوة إلى إنشاء المتاحف وتوعية المواطنين هي غرس لمفاهيم المسؤولية المجتمعية تجاه إرث الأجداد.
في المحصلة، يبدو أن منهج الدراسات الاجتماعية للصف الأول الإعدادي لا يقتصر على تقديم حقائق تاريخية مجردة، بل يعمل كأداة تربوية متكاملة. إنه يستخدم تاريخ مصر القديم ليروي قصة صعود الأمم وقوتها عبر التخطيط والوحدة، وسقوطها حين تسود الفرقة والمصالح الشخصية، وهي رسالة لا تزال تحتفظ براهنيتها حتى اليوم.









