في خطوة تعكس عمق الاهتمام الأوروبي بالحضارة المصرية، قام الملك فيليب، ملك بلجيكا، بجولة خاصة في منطقتي سقارة وأبوصير الأثريتين، وذلك على هامش زيارته الرسمية لمصر للمشاركة في الافتتاح المرتقب لـالمتحف المصري الكبير. لم تكن الجولة مجرد زيارة بروتوكولية، بل رحلة استكشافية إلى قلب التاريخ المصري القديم، حملت دلالات سياسية وثقافية هامة.
سقارة: نافذة على الحياة اليومية للفراعنة
بدأت الجولة في رحاب جبانة سقارة، حيث استقبل الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الملك فيليب ليصطحبه في رحلة عبر الزمن. وشملت الزيارة مقبرتي «ميريروكا» و«قاجمني»، وهما من أبرز معالم الدولة القديمة. وبحسب شهود عيان، أبدى الملك البلجيكي انبهارًا خاصًا بدقة النقوش المحفوظة وألوانها الزاهية، التي لا تزال تروي تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء، وهو ما يعكس مستوى فنيًا وتوثيقيًا فريدًا للحضارة المصرية.
أبوصير: أهرامات الشمس وكشف أثري جديد
بعد ذلك، انتقل الموكب الملكي إلى منطقة أبوصير، موطن أهرامات ملوك الأسرة الخامسة المعروفة بـ«أهرامات الشمس». هناك، استمع الملك فيليب إلى شرح مفصل حول فلسفة بناء هذه المجموعات الجنائزية، مع التركيز على الاكتشافات الحديثة التي غيرت فهمنا لهندستها. وكان أبرز ما تم عرضه هو الكشف الأخير عن سلسلة من المخازن داخل هرم الملك ساحورع، وهو اكتشاف يُعد إضافة نوعية لمعرفة أسرار العمارة الجنائزية في تلك الحقبة المحورية من التاريخ المصري القديم.
أبعاد الزيارة: ما وراء الآثار
يرى مراقبون أن هذه الزيارة الملكية تحمل أبعادًا تتجاوز الاهتمام الشخصي بالآثار. فهي تمثل رسالة دعم قوية للسياحة المصرية، وتؤكد على أن مصر، بأمنها واستقرارها، وجهة عالمية موثوقة. كما أنها تضع زخمًا دوليًا كبيرًا حول افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي يُنظر إليه كأكبر حدث ثقافي في القرن الحادي والعشرين. يقول المحلل السياسي، الدكتور حسن نافعة، إن “استثمار مصر في قوتها الناعمة، المتمثلة في تراثها الفريد، هو أحد أهم ركائز دبلوماسيتها الحديثة، وزيارات بهذا المستوى تعزز من مكانة القاهرة على الساحة الدولية”.
في ختام جولته، لم يخفِ الملك فيليب تقديره العميق لما شاهده، مؤكدًا أن الزيارة عمّقت ارتباطه الشخصي بالحضارة المصرية. ووعد بالعودة مجددًا لاستكمال استكشاف كنوز سقارة وأبوصير، في إشارة تعكس الأثر البالغ الذي تركته التجربة في نفسه، وتُعد في الوقت ذاته شهادة دولية بأهمية ما تمتلكه مصر من إرث إنساني لا يزال يبهر العالم.
