فن

ملتقى بيرجامو السينمائي يحتفي بعباس كيارستمي ولويس دو فونيس: رحلة بين التأمل والضحك

الدورة 44 لملتقى بيرجامو تستعرض تاريخ السينما عبر أيقونتين: كيارستمي الإيراني ولويس دو فونيس الفرنسي

يستعد ملتقى بيرجامو السينمائي لعقد دورته الرابعة والأربعين في الفترة من 7 إلى 15 مارس المقبل، مؤكداً مكانته كمنصة ثقافية تقدم برامجها كرحلات فكرية وجمالية متكاملة، لا مجرد عروض سينمائية متتالية.

وتركز الدورة المرتقبة على استعراض تاريخ السينما من منظورين متباينين زمنياً وأسلوبياً؛ الأول يستكشف سينما التأمل والبحث عن الحقيقة للمخرج الإيراني عباس كيارستمي، بينما يقدم الثاني عالم الضحك الذي لا يُقاوَم للممثل الفرنسي لويس دو فونيس. يجمع الملتقى بين هاتين الحقبتين المتباعدتين، ليكشف عن قدرتهما الفريدة على تجسيد “روح الزمن” وتقديمها بلغة سينمائية لا تزال مؤثرة حتى الآن.

ويأتي تكريم كيارستمي تزامناً مع الذكرى العاشرة لرحيله، اعترافاً بمكانته كأحد عمالقة السينما المعاصرة، ومحرك رئيسي لنهضة السينما الإيرانية من ثمانينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة. في المقابل، يحتفي الملتقى بلويس دو فونيس، “وجه الكوميديا الفرنسية” بعد الحرب، كأيقونة أوروبية شعبية أسست مدرسة متكاملة في الضحك خلال الستينيات والسبعينيات، معتمدة على الإيقاع والحركة والانفعال الجسدي.

وتعكس الهوية البصرية للدورة هذا الاحتفاء بالكوميديا الفرنسية، حيث استلهم مصممو “ستوديو سوق” صورة من فيلمي “المطعم الكبير” (Le grand restaurant, 1966) للمخرج جاك بيسنار، و”الجناح أم الفخذ؟” (L’aile ou la cuisse, 1976) للمخرج كلود زيدي، وكلاهما من بطولة لويس دو فونيس. يرمز هذا الاختيار إلى عالمه الفني الذي يحول المبالغة الجسدية إلى دلالات ثقافية واجتماعية عميقة.

كيارستمي.. عندما يصبح السؤال هو الفيلم

وُلد عباس كيارستمي في إيران عام 1940، وتوفي في باريس عام 2016. لم يقتصر دوره على الإخراج، بل كان أيضاً كاتب سيناريو وفناناً بصرياً وشاعراً، ويُعد أحد أبرز رواد “الموجة الجديدة” الإيرانية الثانية، وعلامة فارقة في سينما المؤلف العالمية.

تلقى كيارستمي تعليمه في كلية الفنون الجميلة بطهران، ثم انخرط في مجال التصميم الإعلاني ورسم قصص الأطفال. تركت هذه التجارب بصمتها الواضحة على حساسيته تجاه عالم الطفولة، وشكلت لغته السينمائية الهادئة التي تجعل الطفل في أفلامه مرآة تعكس رحلة الإنسان في تعلم الأخلاق واتخاذ الخيارات.

قبل تفرغه الكامل للسينما، أخرج كيارستمي إعلانات تجارية اعتمد فيها أسلوباً ارتجالياً، متجاوزاً “حيل الإعلان” التقليدية. تميزت أفلامه منذ البداية بالتقشف والاقتصاد في الموارد، وبدمج دقيق بين الأسلوب الوثائقي والروائي، مما جعل السؤال حول “الواقع أم التمثيل؟” أقل أهمية من التساؤل عن “كيف نصنع الحقيقة؟ وكيف ندركها؟”.

انطلقت مسيرة كيارستمي بفيلم قصير عام 1970 بعنوان “الخبز والزقاق” (Nan va Koutcheh). إلا أن الاعتراف الدولي به جاء مع فيلم “أين منزلُ صديقي؟” (Khane-ye doust kodjast?, 1987)، الذي يروي قصة طفل يبحث عن منزل زميله لإعادة دفتره. شكل هذا الفيلم نقطة انطلاق “ثلاثية كوكر” الشهيرة، التي شملت أيضاً “والحياة تستمر” (Zendegi va digar hich, 1992) و”تحت أشجار الزيتون” (Zire darakhatan zeyton, 1994)، حيث تحول الريف الإيراني في هذه الأعمال إلى مختبر سينمائي بحد ذاته.

في “والحياة تستمر”، يتابع الفيلم عودة مخرج للبحث عن الأطفال الذين شاركوا في فيلمه السابق، وذلك بعد زلزال عام 1990 المدمر. أما في “تحت أشجار الزيتون”، فتتداخل حدود التمثيل مع واقع الحب، حيث يقع الممثل في حب زميلته التي ترفضه.

حصد الفيلم جائزة “روزا كامونا الذهبية” خلال دورة عام 1995 من ملتقى بيرجامو السينمائي.

يُعد فيلم “لقطة قريبة” (Nema-ye nazdik, 1990) من الأعمال المحورية في مسيرته، حيث يعيد بناء قضية حقيقية لرجل ينتحل شخصية المخرج محسن مخملباف، متسللاً إلى حياة عائلة من الطبقة الوسطى. يشارك “الأبطال الحقيقيون” في إعادة تمثيل قصتهم، ليطمس كيارستمي بذلك الحدود بين الواقعي والمتخيل، مقدماً فيلماً أصبح مرجعاً في تاريخ السينما الحديثة.

يُقدم فيلم “طعم الكرز” (Ta’m e guilass, 1997)، الحائز على السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي، نموذجاً مكثفاً لأسلوب كيارستمي. يتناول الفيلم قصة رجل يقود سيارته في طهران، باحثاً عمن يساعده على إنهاء حياته، ليطرح بذلك أسئلة وجودية عميقة تظل معلقة دون أحكام أو إجابات قاطعة. تلاه فيلم “والريح ستحملنا” (Bad ma ra khahad bord, 1999)، الذي تدور أحداثه في قرية كردية، حيث ينتظر فريق تصوير وفاة امرأة مسنة لتوثيق جنازتها. هذا العمل، الذي يتناول مفاهيم الزمن والانتظار واللامرئي، حصد جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان فينيسيا السينمائي.

مع مطلع الألفية، استمر كيارستمي في تقديم تجاربه السينمائية الأكثر جرأة، ومنها فيلم “عشرة” (Dah, 2002) الذي يعتمد على 10 حوارات تدور داخل سيارة، متناولاً قضايا المرأة والطلاق والحرية الفردية. وتلتها تجربة “10 على عشرة” (10 on Ten, 2004)، حيث قدم المخرج تأملاته وشروحاته حول خياراته الفنية.

كما قدم فيلم “خمسة مهداة لأوزو” (Five Dedicated to Ozu, 2003)، الذي يتكون من 5 لقطات ثابتة على البحر، تكاد تخلو من الحوار، ليجعل السينما فعلاً بصرياً خالصاً.

في مراحل لاحقة من مسيرته، اتجه كيارستمي للعمل خارج إيران بشكل أكبر. أنتج فيلم “نسخة طبق الأصل” (Copie conforme, 2010) الذي صُوّر في مقاطعة توسكانا الإيطالية (فلورنسا)، وبطولة النجمة الفرنسية جولييت بينوش التي حازت عنه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان. تلاه فيلم “مثل شخص واقع في الحب” (Like Someone in Love) عام 2012، الذي صُوّر في طوكيو وتناول قضايا الوحدة والاغتراب. أما “24 إطاراً” (24 Frames)، الذي أنجزه عام 2016، فكان آخر أفلامه الطويلة قبل وفاته في يوليو من العام نفسه، وعُرض بعد رحيله ضمن قسم “فعاليات الذكرى السبعين” في مهرجان كان السينمائي 2017.

اعتبر هذا الفيلم بمثابة وصيته الفنية، حيث قدم 24 لوحة تتحول، عبر الصوت والحركة، إلى تأملات عميقة في الزمن والطبيعة والرؤية.

إلى جانب أعماله الروائية، ظل الفيلم الوثائقي جزءاً لا يتجزأ من مسيرته البحثية، كما يتضح في فيلمي “الواجب المدرسي” (Mashgh-e Shab, 1989) و”أبجدية أفريقيا” (ABC Africa, 2001).

لويس دو فونيس.. إيقاع الضحك وتعرية السلطة

يحتفي الملتقى أيضاً بلويس دو فونيس (1914-1983)، الذي يُعد واحداً من أعظم الكوميديين في أوروبا، وبطلاً لشباك التذاكر الفرنسي على مدى عقدين. ولد دو فونيس لأبوين مهاجرين إسبانيين، وبدأ مسيرته الفنية في المسرح والموسيقى، حيث عمل عازف بيانو في حانات باريس أثناء الحرب. هذه الخلفية ساهمت في صياغة أسلوبه المميز القائم على الإيقاع والتسارع والتبدل السريع للانفعالات، وكأنها مقاطع موسيقية.

قبل أن يحقق الشهرة، مر لويس دو فونيس بفترة تدريب شاقة، أدى خلالها أكثر من 100 دور صغير. جاءت انطلاقته الحقيقية مع فيلم “لا مرئي، لا معروف” (Ni vu, ni connu, 1957). وخلال الستينيات، أصبح رمزاً للكوميديا الفرنسية من خلال تجسيده لشخصيات مثل الدركي الأخرق، والمفوض في سلسلة “فانتوماس”، بالإضافة إلى أفلام جيرار أوري الجماعية، وصولاً إلى أعمال كوميدية بارعة مثل “المطعم الكبير” (Le grand restaurant) و”أوسكار” (Oscar).

غالباً ما تميزت شخصيات دو فونيس بكونها متسلطة ومرتبكة في آن واحد؛ فكان يجسد الأب العصبي، والأرستقراطي المغرور، والمحتال الصغير، أو “اللا بطل” الجبان. لم تكن كوميديا دو فونيس مجرد “نكتة” عابرة، بل كانت تتجسد في حركته الجسدية الكاملة: تعابير الوجه، خطواته، وحركة يديه ووجهه التي لا تتوقف، مما جعله يُقارن بعمالقة السينما الصامتة.

وصل دو فونيس إلى ذروة جديدة في السبعينيات مع فيلمي “جنون العظمة” (La Folie des grandeurs, 1971) و”مغامرات الحاخام جاكوب” (Les aventures de Rabbi Jacob, 1973). في هذه الأعمال، امتزج الضحك بالسخرية الاجتماعية اللاذعة، ليجد الجمهور نفسه يضحك على مظاهر السلطة والنفاق والتراتبية الاجتماعية.

بعد تعرضه لأزمة قلبية عام 1975، عاد دو فونيس بفيلم “الجناح أم الفخذ؟” (L’aile ou la cuisse, 1976)، الذي شكل آخر نجاحاته الكبرى. وجاء الاعتراف الرسمي بمشواره الفني عام 1980، عندما سلمه جيري لويس جائزة سيزار عن مجمل أعماله.

بهذا البرنامج المتنوع، يقدم ملتقى بيرجامو السينمائي 2026 ثنائية فنية لافتة: كيارستمي الذي اتخذ من الشك سبيلاً للوصول إلى الحقيقة، ودو فونيس الذي استخدم الجسد سلاحاً لكشف تفاهات المجتمع وزيفه.

بين عمق التأمل وقوة الضحك، يؤكد هذا المهرجان أن السينما، حتى في أشد أشكالها تبايناً، تظل قادرة على استيعاب روح عصرها، وإعادة مخاطبة أزمنتنا المعاصرة بفاعلية.

مقالات ذات صلة