الأخبار

مفتي الجمهورية من ماليزيا: التراث الإسلامي أساس للاجتهاد وليس نصًا مقدسًا

في محاضرة دولية، الدكتور نظير عياد يطرح رؤية الأزهر لتجديد الفكر الديني ومواجهة التطرف عبر فهم مقاصد الشريعة.

مراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في تغطية الأحداث المحلية

في خطوة تعكس الدور العالمي للمؤسسة الدينية المصرية، وضع الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، خارطة طريق للتعامل مع التراث الإسلامي، مؤكدًا أنه يمثل أساسًا حيويًا للاجتهاد في إصدار الفتاوى المعاصرة، وليس نصًا جامدًا. جاء ذلك خلال محاضرة هامة ألقاها فضيلته في ماليزيا، ليقدم رؤية متكاملة لمواجهة التحديات الفكرية التي تواجه الأمة.

من داخل كلية الشريعة والقانون بجامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا، وبحضور نخبة من القيادات الدينية والعلمية، بينهم مفتي ماليزيا الشيخ أحمد بن فواز علي فاضل، والسفير المصري كريم السادات، طرح فضيلته رؤيته تحت عنوان «التراث كأساس للاجتهاد في إصدار الفتاوى.. التحديات وأهمية الحفاظ على مصلحة الأمة»، مشددًا على أن التعامل مع هذا الإرث الفكري الضخم يتطلب منهجًا علميًا متوازنًا.

ثلاثة اتجاهات ورؤية الأزهر

شخّص مفتي الجمهورية المواقف المتباينة من التراث الإسلامي في ثلاثة اتجاهات رئيسية، وهو تحليل يعكس بوضوح خريطة التيارات الفكرية في العالم الإسلامي. الاتجاه الأول هو من يغالي في التمسك بالتراث حد التقديس، ويعتبر كل ما فيه مرادفًا للدين، وهو موقف وصفه فضيلته بالقصور لأنه يتجاهل تغير الزمان والمكان، مؤكدًا أن السلف أنفسهم لو عادوا لغيروا الكثير من آرائهم لتناسب الواقع.

على النقيض تمامًا، يقف الاتجاه الثاني الذي يدعو إلى قطيعة كاملة مع التراث، معتبرًا إياه تخلفًا، وينادي بالانجرار وراء النظريات المادية. ويرى المفتي أن هذا الموقف يفتقر للمنهجية العلمية ويتجاهل القيمة الحضارية للتراث. أما الاتجاه الثالث، فهو الموقف الوسطي الذي يمثله منهج الأزهر الشريف جامعًا وجامعةً، والذي يقوم على الانتقاء الواعي من التراث بما يناسب العصر، ورفض الأقوال التي ارتبطت بسياقات تاريخية محددة لم تعد قائمة.

منهجية علمية من أربعة أركان

طرح الدكتور نظير عياد منهجية عملية للتعامل مع التراث تقوم على أربعة أركان أساسية، تمثل بوصلة للفقهاء والمجتهدين. هذه الأركان هي:

  • نفي العصمة: الإقرار بأن التراث هو جهد بشري يقبل الصواب والخطأ، مستشهدًا برؤية الفيلسوف ابن رشد في ضرورة فحص أقوال القدماء وقبول ما يوافق الحق منها.
  • الاستثمار: توظيف الجوانب الصحيحة من التراث لخدمة قضايا الإنسان المعاصر والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.
  • التجاوز: تجاوز الآراء الشاذة والضعيفة التي لا تتناسب مع واقع الناس، وفتح الباب أمام الاجتهاد والتجديد لصياغة حلول جديدة تحقق مصالحهم.
  • الاعتبار والدراسة: حصر الخلافات التاريخية، كالتي وقعت في القرن الأول، في إطار البحث العلمي والعبرة التاريخية فقط، وتجميدها عمليًا لمنع امتدادها إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم.

مقاصد الشريعة.. صمام الأمان

أكد المفتي أن النصوص قطعية الثبوت والدلالة لا مجال للاجتهاد في أصلها، وإنما في آلية تطبيقها، بينما النصوص الظنية هي الميدان الرحب للاجتهاد. وهنا، تبرز أهمية النظر المقاصدي كضمانة أساسية لتحقيق مصالح الأمة، فمراعاة مقاصد الشريعة العليا، المتمثلة في حفظ الكليات الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل)، هي التي توجه الفتوى نحو ما ينفع الناس وتمنع الانحراف.

وأوضح أن إغفال هذه القواعد المنهجية أدى إلى فوضى في الفقه والفتوى، وفتح الباب أمام اتجاهات التشدد والتساهل، وصدور فتاوى شاذة من غير المؤهلين. هذا الاضطراب كان بيئة خصبة لنمو نزعات التكفير لدى الجماعات المتطرفة، والتي استهدفت المجتمعات الإسلامية نفسها، مما يمثل أحد أخطر التهديدات التي تواجه وحدة الأمة واستقرارها اليوم.

خطر التكفير.. الأسباب والعواقب

ربط مفتي الجمهورية بشكل مباشر بين الفهم الخاطئ للتراث وظاهرة التكفير، مشيرًا إلى أن أبرز أسبابها هو الفهم الحرفي للنصوص بمعزل عن مقاصدها، والاعتماد على أقوال شاذة ومهجورة لتسويغ أفكارهم المتطرفة. وحذر من أن خطورة التكفير لا تقف عند حدود الفكر، بل تمتد لآثار كارثية على أرض الواقع، من استحلال للدماء والأموال وتفكيك للمجتمعات.

واختتم فضيلته كلمته بالتأكيد على أن مواجهة هذا الخطر الداهم هي واجب العلماء والمؤسسات الدينية، عبر ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، والتمسك بروح الإسلام السمحة. وفي ختام اللقاء، تم تكريم مفتي الجمهورية ومنحه لقب «أستاذ زائر» بجامعة العلوم الإسلامية الماليزية، في تقدير يعكس أهمية الدور المصري في نشر الفكر الوسطي عالميًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *