معهد التخطيط القومي يحتفل بـ 65 عامًا: مسيرة فكر وتنمية لمستقبل مصر
احتفالية كبرى تجمع قادة الفكر وصناع القرار لتأكيد دور المعهد المحوري في صياغة السياسات ودعم التنمية المستدامة.

في حدث يعكس عقودًا من الإسهام الفكري والعمل التنموي، احتفل معهد التخطيط القومي، يوم الخميس الثامن عشر من ديسمبر 2025، بمرور خمسة وستين عامًا على تأسيسه. أقيمت الاحتفالية بمقر المعهد، لتسليط الضوء على مكانته كركيزة أساسية في دعم منظومة التخطيط الشاملة بمصر، وتأكيدًا لدوره الحيوي في تقديم الدعم العلمي والتدريبي والاستشاري الذي شكل جزءًا لا يتجزأ من جهود الدولة المصرية في صياغة سياساتها العامة.
لم تكن الاحتفالية مجرد مناسبة عادية، بل تحولت إلى ملتقى رفيع المستوى جمع نخبة من قادة الدولة والفكر. فقد ألقى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، كلمة مسجلة بالمناسبة، وشهد الحفل حضورًا بارزًا للدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي ورئيس مجلس إدارة المعهد، والدكتور أشرف العربي، رئيس المعهد. كما زين الحضور كوكبة من الشخصيات العامة والمسؤولين، منهم رئيسا الوزراء الأسبقان الدكتور عصام شرف والمهندس إبراهيم محلب، إلى جانب عدد من الوزراء الحاليين والسابقين، والمحافظين، والسفراء، والأكاديميين، ورموز التخطيط من داخل مصر وخارجها، مما عكس الثقل العلمي والسياسي للمعهد.
من جانبه، أعرب الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن بالغ سعادته بهذه المناسبة، مشيدًا بالرؤية الاستشرافية التي قادت لتأسيس معهد التخطيط القومي قبل 65 عامًا. وأكد مدبولي أن المعهد لم يكن مجرد إضافة، بل كان الأول من نوعه في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ثمرة للتخطيط الذكي والرؤية الثاقبة لمؤسسه الدكتور إبراهيم حلمي عبدالرحمن. وأشار إلى أن تأسيسه جاء استجابةً لحاجة ماسة لترسيخ الأساس العلمي لعمليات التخطيط وقضايا التنمية عبر البحث الرصين، وفي الوقت ذاته لتأهيل الكوادر البشرية القادرة على قيادة مسيرة التنمية.
لم يقتصر دور المعهد على الجانب الأكاديمي، فمنذ انطلاقته في ستينيات القرن الماضي، ظل رافدًا أساسيًا يمد مؤسسات الدولة والحكومة بالكفاءات والقيادات التي تركت بصمات واضحة في مسيرة العمل الوطني، وفقًا لتأكيدات رئيس مجلس الوزراء. وتطلع الدكتور مدبولي إلى مستقبل يبرز فيه المعهد كمركز فكر وطني مؤثر، يحاكي المراكز العالمية الرائدة في صياغة السياسات ودعم اتخاذ القرار، بما يعزز التنمية المستدامة ويسهم في نهاية المطاف في رفاهية المجتمع وتحسين جودة حياة المواطنين.
وفي سياق استشراف المستقبل، شدد الدكتور مدبولي على أهمية تركيز المعهد خلال المرحلة القادمة على مجموعة من القضايا الحيوية التي تضمنتها خطته الاستراتيجية للفترة (2023-2030). وتشمل هذه الأولويات ملفات بالغة الأهمية مثل التنمية العمرانية والحضرية، وتحديات تغير المناخ، ورصد التحولات القيمية في المجتمع، بالإضافة إلى توطين أهداف التنمية المستدامة على المستوى المحلي. كما أشار إلى ضرورة معالجة قضايا الإصلاحات الهيكلية، وديناميكيات سلاسل القيمة والإمداد العالمية، وتعزيز الدور الجيوسياسي لمصر إقليميًا وعالميًا.
من جانبها، أشادت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي ورئيس مجلس إدارة المعهد، بالدور المحوري الذي يضطلع به معهد التخطيط القومي. وصفت المشاط المعهد بأنه مؤسسة علمية رائدة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل يمتد تأثيره إلى الصعيدين العربي والإقليمي في مجال التخطيط التنموي. وأكدت أن هذه الاحتفالية ليست مجرد ذكرى، بل تجسيد لمسيرة حافلة بالعطاء البحثي والتنموي، تمثل جسرًا حيويًا يربط بين عمق المعرفة الأكاديمية ومتطلبات صناعة السياسات العامة. ولم تنسَ الوزيرة توجيه الشكر والتقدير لجميع العاملين بالمعهد على جهودهم المتميزة في تنظيم هذا الحدث الهام.
وأوضحت المشاط أن الاحتفال الحالي يمثل ذروة لجهود دؤوبة ودراسات مستفيضة استهدفت تحديث الإطار التشريعي والهيكل التنظيمي للمعهد. وأشارت إلى أن هذا التطور لم يكن ليتحقق لولا الدعم والرعاية الكريمة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، الذي يولي أهمية قصوى لتعزيز دور مراكز الفكر والبحث العلمي كركائز أساسية لصنع القرار الرشيد. وقد توجت هذه الجهود بصدور القانون الجديد لمعهد التخطيط القومي عام 2015، مما عزز مكانته كمركز رائد محليًا وإقليميًا ودوليًا في مجالات البحث والتدريب والتعليم المتعلقة بقضايا التنمية والتخطيط.
وأكدت الوزيرة أن القانون الجديد لم يكتفِ بتعزيز دور المعهد البحثي والتدريبي، بل رسّخ مكانته كداعم رئيسي لعمليات صنع السياسات واتخاذ القرارات التنموية على كافة الأصعدة. كما أتاح هذا الإطار التشريعي للمعهد فرصة أوسع لنشر المعرفة العلمية المتخصصة في مجالات التنمية والتخطيط، ليصبح بذلك مساهمًا فاعلًا في رفع الوعي المجتمعي بأهمية التخطيط كعنصر محوري لتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.
تحديث شامل: المعهد يواكب المتغيرات بخطط استراتيجية
لم يقتصر التطور على الجانب التشريعي والتنظيمي فحسب، بل امتد ليشمل تحديثًا شاملًا لأساليب عمل المعهد. وقد تجلى ذلك في سلسلة من الخطط الاستراتيجية المتتالية، بدأت بخطة للفترة 2015/2016–2019/2020، تلتها خطة أخرى للفترة 2020/2021–2024/2025، وصولًا إلى الخطة الحالية للفترة 2023/2024–2029/2030. هذه الخطط لم تكن مجرد وثائق، بل أصبحت بمثابة خارطة طريق ومرجعية أساسية توجه كافة البرامج السنوية والأنشطة المتنوعة التي يقوم بها المعهد.
وفي كلمته، اعتبر الدكتور أشرف العربي، رئيس معهد التخطيط القومي، أن الاحتفال بالذكرى الخامسة والستين لتأسيس المعهد يمثل محطة هامة للتأمل في مسيرته التاريخية الحافلة. وأوضح العربي أن المعهد اكتسب مكانته كصرح رائد في الفكر التخطيطي والتنموي من خلال دعمه المتواصل لتجربة التخطيط التنموي في مصر، بدءًا من الخطة الخمسية الأولى في ستينيات القرن الماضي، مرورًا بإطلاق وتطبيق استراتيجية رؤية مصر 2030 وتحديثاتها، وصولًا إلى إطلاق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي للإصدار الأول من “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية”.
وكشف الدكتور العربي عن رؤية استراتيجية طموحة يتبناها المعهد للمرحلة القادمة، تتجسد في استراتيجيته للفترة 2023-2030. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى الارتقاء بالأنشطة الأساسية للمعهد، من بحث علمي وتدريب واستشارات ودراسات عليا وخدمة مجتمع، لضمان تقديم دعم مستدام للمخططين وصناع القرار بالبدائل المدعومة بالأدلة. ويؤكد المعهد من خلالها التزامه بتوفير الكوادر التخطيطية المؤهلة لقيادة مسيرة التنمية على كافة المستويات، مع حرصه الشديد على تقديم الدعم الكامل لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي في صياغة وتنفيذ الاستراتيجيات وتطوير آليات المتابعة والتقييم.
واختتم الدكتور أشرف العربي كلمته بتوجيه الشكر والتقدير العميقين للدكتورة رانيا المشاط ولأعضاء مجلس الإدارة الموقرين، مثمنًا دعمهم اللامحدود لرؤية المعهد ورسالته وأهدافه. كما لم يفته الإشادة بجهود أسرة المعهد، من الجهازين العلمي والإداري، الذين بذلوا جهودًا حثيثة ومقدرة في مواقعهم المختلفة لتحقيق أهداف المعهد السامية.
ولم تقتصر فعاليات الاحتفالية على الكلمات الرسمية، بل تضمنت ندوة فكرية رفيعة المستوى تحت عنوان “مستقبل التخطيط في ظل عالم متغير”. أدار الندوة الدكتور أشرف العربي، رئيس المعهد، وشهدت مشاركة نخبة من المفكرين والخبراء، منهم الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة 2030، الذي شارك عبر الفيديو كونفرانس. كما ضمت الندوة الدكتور خالد زكريا، أستاذ الإدارة العامة ومدير مركز السياسات الاقتصادية بالمعهد، والدكتور جيمي بوكس، المدير التنفيذي لشبكة اللامركزية العالمية التابعة لتحالف القطاع العام (LPSA)، مما أثرى النقاش حول التحديات والفرص المستقبلية للتخطيط.
واختتمت فعاليات الاحتفالية بتكريم مستحق لمجموعة من رموز وقيادات التخطيط البارزين في مصر، حيث قامت الدكتورة رانيا المشاط والدكتور أشرف العربي بتقديم الدروع التذكارية، عرفانًا بجهودهم وإسهاماتهم في مسيرة التنمية والتخطيط الوطني.









