الأخبار

مصر تقود تحولًا في مفهوم الرقابة المالية: من مراجعة الأرقام إلى تقييم أثر السياسات

رؤية مصرية جديدة لمواجهة الأزمات.. كيف تتحول الرقابة المالية إلى أداة لقياس فعالية القرارات الحكومية؟

في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا في فلسفة العمل الرقابي، طرحت مصر من شرم الشيخ رؤية متكاملة لمستقبل الرقابة المالية الحديثة، مؤكدة أن دورها لم يعد يقتصر على فحص الأرقام والبيانات، بل امتد ليشمل تقييم الأثر الفعلي للسياسات المالية والنقدية على أرض الواقع.

تجاوز الدور التقليدي

خلال جلسة نقاشية رفيعة المستوى ضمن فعاليات المؤتمر الخامس والعشرين لـمنظمة الإنتوساي، أوضح المستشار محمد الفيصل يوسف، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، أن الرقابة المعاصرة باتت تستخدم أدوات التحليل الاقتصادي الكلي والذكاء الاصطناعي لتقديم صورة دقيقة لصانع القرار، وهو ما يساعد على اتخاذ سياسات أكثر كفاءة في مواجهة الأزمات الاقتصادية.

وأشار الفيصل إلى أن الأزمات المالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على إدارة مواردها العامة بشفافية، مشددًا على أن الأجهزة العليا للرقابة أصبحت مسؤولة عن تقييم فعالية التدخلات الحكومية، ومدى إسهامها في تحقيق النمو والاستقرار وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، وهو ما يمثل جوهر مفهوم الرقابة المالية الحديثة.

سؤال الفعالية لا الصرف

لم يعد السؤال الرقابي التقليدي “هل تم إنفاق الأموال؟” كافيًا، بل تطور ليصبح “هل وُجِّهت الأموال الحكومية الطائلة في مساراتها الصحيحة؟ وهل حققت التدخلات النتيجة المرجوة؟”. هذا التحول في منطق المراجعة ينقل الجهاز المركزي للمحاسبات والأجهزة النظيرة له من دور المحاسب إلى دور الشريك الاستراتيجي في التنمية، فهو لا يراقب الإنفاق فحسب، بل يقيس جودة هذا الإنفاق وتأثيره المباشر على حياة المواطنين وثقتهم في مؤسسات الدولة.

هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في أوقات الأزمات التي تتطلب إنفاقًا حكوميًا ضخمًا، حيث يصبح ضمان وصول الدعم لمستحقيه ومنع تسربه هدفًا أسمى يتجاوز مجرد الالتزام الإجرائي، ويعزز من قدرة الدولة على الصمود والتعافي.

التجربة المصرية كنموذج

وقدمت مصر تجربتها كنموذج عملي على هذا التوجه، حيث يتولى الجهاز مراجعة أنشطة البنك المركزي المصري في إطار من التوازن الدقيق الذي يحترم استقلالية السياسة النقدية ويمارس في الوقت ذاته رقابة موضوعية على إدارة الموارد العامة. وأكد محمد عبد الغني، نائب رئيس الجهاز، أن هذا التكامل منظم بموجب القانون رقم 194 لسنة 2020، الذي أنشأ مجلسًا تنسيقيًا بين السياستين المالية والنقدية لضمان الانسجام في القرارات الاقتصادية.

وتم استعراض أمثلة حية لهذا التنسيق، شملت حزم التحفيز الاقتصادي خلال جائحة كورونا، ودعم القطاعات المتضررة، ومبادرات البنك المركزي لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ودعم الأنشطة الصناعية والزراعية، بالإضافة إلى برامج الحماية الاجتماعية الموجهة لدعم السلع التموينية والخبز.

توصيات للمستقبل

واختتمت الجلسة، التي شارك فيها خبراء من الولايات المتحدة والسعودية ومحكمة المحاسبين الأوروبية، بالإجماع على أن تصاعد المخاطر عالميًا يستلزم تطوير الأجهزة الرقابية لأدواتها، وتعزيز التعاون الدولي لتبادل الخبرات، بما يضمن جودة التقارير ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة، ويرسخ ثقة المواطنين في إدارة الشأن العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *