مصر تعرض في بروكسل رؤيتها الاقتصادية الجديدة
خطة إصلاح شاملة بأربعة أركان رئيسية و209 إجراءات لتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات الأوروبية

في خطوة لتعميق الشراكة الاستراتيجية، عرضت مصر أمام الاتحاد الأوروبي في بروكسل تفاصيل رؤيتها الاقتصادية الجديدة. القمة المصرية الأوروبية كشفت عن خطة متكاملة للإصلاحات الهيكلية تهدف إلى جذب الاستثمارات الأوروبية وتعزيز مكانة القاهرة كمركز اقتصادي إقليمي محوري.
القمة، التي عُقدت بمقر المفوضية الأوروبية، لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل منصة عمل جمعت وفدًا مصريًا رفيع المستوى ضم وزراء الاستثمار والخارجية والتعاون الدولي، مع كبار المسؤولين الأوروبيين ومؤسسات التمويل الدولية. يعكس هذا الحضور المنسق تحركًا مصريًا جادًا لتحويل التفاهمات السياسية إلى شراكات استثمارية ملموسة، وفتح آفاق جديدة للتكامل الصناعي والتنمية المستدامة.
اللقاءات لم تقتصر على المسؤولين الحكوميين، بل امتدت لتشمل قادة قطاعات الصناعة والتكنولوجيا، مما يؤكد أن الهدف هو تجاوز الأطر التقليدية للتعاون. تسعى القاهرة وبروكسل لبلورة فرص حقيقية على الأرض، تستفيد من موقع مصر كبوابة استراتيجية تربط أوروبا بأسواق أفريقيا والشرق الأوسط الواعدة، وهو ما يمثل جوهر الرؤية المشتركة للمرحلة المقبلة.
بنية تحتية كأساس للانطلاق
أوضح المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن الرؤية الجديدة لا تنطلق من فراغ، بل ترتكز على طفرة غير مسبوقة في البنية التحتية كلفت الدولة أكثر من 500 مليار دولار خلال العقد الماضي. هذه الاستثمارات لم تعد مجرد خطط على الورق، بل تحولت إلى واقع ملموس يعزز جاذبية مناخ الأعمال في مصر.
وتشمل هذه المشاريع العملاقة مدنًا جديدة مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، وشبكة طرق حديثة قيد التطوير تمتد لـ7000 كيلومتر. كما شملت ثورة في قطاع النقل بتطوير السكك الحديدية، وإنشاء خطوط المترو والمونوريل والقطار الكهربائي السريع، بالإضافة إلى تحديث شامل للمطارات والموانئ التجارية لخدمة حركة التجارة العالمية.
خطة إصلاح بأربعة أركان
استعرض الوزير الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاحات الهيكلية الذي تتبناه الحكومة، والذي يقوم على نهج متكامل من أربعة أركان رئيسية. يأتي على رأسها سياسة نقدية جديدة تعتمد على استهداف التضخم، وهو ما نجح في استعادة ثقة المستثمرين وخفض معدل التضخم المتوقع من 28.5% في الربع الثاني من 2024 إلى 11.6% في نفس الفترة من 2025، في مؤشر واضح على استقرار الاقتصاد المصري.
الركن الثاني يتمثل في سياسة مالية مستدامة، تشمل 20 إجراءً لإصلاح النظام الضريبي ورقمنته بالكامل، بهدف توسيع القاعدة الضريبية بنسبة 35% سنويًا دون زيادة الأعباء على الملتزمين. وتتضمن السياسة وضع سقف للاستثمار العام عند تريليون جنيه، في خطوة لضبط الإنفاق العام وإفساح المجال بشكل أكبر للقطاع الخاص.
أما الركن الثالث فهو سياسة تجارية منفتحة وطموحة، تهدف لوضع مصر ضمن أفضل 50 دولة في التجارة العالمية خلال ثلاث سنوات، والوصول للمرتبة 20 بحلول 2030. وتستهدف الخطة نموًا سنويًا مرتفعًا في الصادرات المصرية لتصل إلى مئات المليارات من الدولارات، عبر خفض الإجراءات الجمركية بنسبة 90% والاستفادة الكاملة من الاتفاقيات التجارية الدولية.
ويأتي الركن الرابع، والأكثر أهمية للمستثمرين، في إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد. تتحول الدولة من لاعب ومنتج إلى منظم ومُيسّر، عبر آليات واضحة مثل الصندوق السيادي وبرنامج الطروحات الحكومية. وتحدد “وثيقة سياسة ملكية الدولة” بوضوح القطاعات التي ستتخارج منها الدولة، مما يعزز الشفافية ويضمن منافسة عادلة.
تحسين مناخ الأعمال: من الأقوال إلى الأفعال
أكد الخطيب أن الحكومة لا تكتفي بالإصلاحات التشريعية، بل تركز على تحسين الإجراءات على الأرض. ويمثل التحول الرقمي حجر الزاوية في هذا المسعى، عبر إطلاق منصة موحدة للتراخيص تضم 460 خدمة، وبوابة للأعمال لتقديم خدمات استثمارية رقمية متكاملة، مما يقلل البيروقراطية بشكل جذري.
وفي دلالة على الجدية، أعلنت مصر التزامها الكامل بتطبيق معايير جاهزية الأعمال (B-READY) التابعة للبنك الدولي، بهدف دخول التقرير رسميًا بحلول عام 2026. ويجري حاليًا تنفيذ 209 إصلاحات شاملة، من المستهدف إنجاز 63% منها خلال 6 إلى 9 أشهر فقط، في سباق مع الزمن لخلق بيئة أعمال تنافسية عالميًا.
ولتقديم دليل ملموس على التحسن، استعرض الوزير قفزة الكفاءة في الإفراج الجمركي، حيث انخفض زمن التخليص من 16 يومًا في يونيو 2024 إلى 5.8 أيام فقط في يونيو 2025. هذه النتيجة، التي تحققت عبر 29 إجراءً تصحيحيًا، وفرت على الاقتصاد الوطني مبالغ ضخمة من العملة الصعبة، مع استمرار العمل للوصول إلى يومين فقط خلال الأعوام المقبلة.
في ختام كلمته، جدد الخطيب التأكيد على أن رؤية مصر الاقتصادية تتمثل في بناء اقتصاد تنافسي منفتح. ودعا الشركاء الأوروبيين للاستفادة من المزايا الفريدة التي تقدمها مصر، والتي لم تعد تقتصر على موقعها الاستراتيجي وقواها العاملة الشابة، بل أصبحت تشمل بنية تحتية عالمية، وسوقًا استهلاكية ضخمة، وإطارًا تنظيميًا يتجه بخطى سريعة نحو المعايير العالمية.







