مصر تراهن على فوائض الحديد والأسمنت لقيادة إعادة إعمار غزة

تستعد مصر لتحويل فوائض إنتاجها من مواد البناء إلى ورقة استراتيجية للمشاركة بفاعلية في إعادة إعمار غزة، في خطوة لا تقتصر على أبعادها الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل تعزيز الدور المصري المحوري في مستقبل القطاع الذي دمرته حرب استمرت لعامين وخلفت خسائر بمليارات الدولارات.
الإعلان الرسمي جاء على لسان وزير الصناعة كامل الوزير، خلال مؤتمر صحفي يسبق انطلاق “المعرض الدولي للصناعة” في العاصمة الإدارية الجديدة. هذه التصريحات لا تمثل مجرد عرض لفرص تصديرية، بل هي إعلان نوايا واضح بأن القاهرة تنظر إلى عملية الإعمار كملف أمن قومي وفرصة لتأكيد نفوذها الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها الصناعية.
فوائض الإنتاج بالأرقام
كشف الوزير أن لدى مصر فائضًا في إنتاج الحديد يصل إلى مليون طن جاهزة للتصدير إلى غزة. وأوضح أن إجمالي الإنتاج السنوي يبلغ حوالي تسعة ملايين طن، بينما لا يتجاوز الاستهلاك المحلي في السوق المصري سبعة ملايين طن، مما يفتح الباب أمام فرص تصديرية واسعة، خاصة في ظل الطلب الهائل المتوقع من قطاع غزة.
ولتعزيز هذه القدرة، وافقت الحكومة المصرية على ست رخص جديدة لإنتاج “البيليت”، المادة الخام الأساسية للحديد، بطاقة 1.2 مليون طن. بالإضافة إلى تقنين أوضاع مصانع قائمة تنتج 2.5 مليون طن، وهو ما سيرفع إجمالي إنتاج البيليت في البلاد إلى 13.2 مليون طن، مما يضمن استدامة الإمدادات للسوقين المحلي والخارجي.
تحديات التنافسية وخطة الأسمنت
رغم هذه القدرات، أشار الوزير إلى تحدٍ قائم يتمثل في أن البيليت المستورد لا يزال أرخص من المنتج المحلي بنسبة 1%، حتى مع فرض رسوم حماية بنسبة 16%. ويعكس هذا الواقع معضلة هيكلية تواجه الصناعة المصرية، مرتبطة بارتفاع تكاليف أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج، وهو ما قد يؤثر على القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الخارجية.
على صعيد متصل، تمتلك مصر فائضًا كبيرًا من الأسمنت يتم تصديره حاليًا إلى نحو 95 دولة. وتعتزم الحكومة طرح رخصتين جديدتين للأسمنت قبل نهاية العام بهدف خفض الأسعار محليًا وزيادة صادرات الأسمنت المصرية. وتأتي هذه الخطوة رغم تراجع قيمة الصادرات بنسبة 7% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، لتصل إلى 581 مليون دولار، وفقًا لبيانات المجلس التصديري لمواد البناء.
من المواد الخام إلى المقاولات
الرؤية المصرية لا تتوقف عند تصدير المواد الخام، بل تمتد لتشمل التنفيذ. فقد كشف الوزير عن توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيادة عدد شركات المقاولات المصرية العاملة في الأسواق الخارجية من 20 شركة حاليًا إلى 100 شركة. هذا التوجيه يتناغم تمامًا مع خطط إعادة الإعمار، ويشير إلى رغبة مصرية في الحصول على حصة كبيرة من عقود الإنشاءات، وليس فقط توريد المواد.
ويأتي كل ذلك في الوقت الذي تستعد فيه مصر لاستضافة مؤتمر إعادة الإعمار الدولي الشهر المقبل، وهو ما يضعها في قلب الجهود الدولية لحشد التمويل اللازم. التحرك المصري المدروس يهدف إلى ضمان أن تكون الشركات والصناعات المصرية هي المستفيد الأكبر من أي جهود دولية لإعادة بناء غزة، مما يحول الأزمة الإقليمية إلى محرك للنمو الاقتصادي المحلي.









