مستشفى قلاوون يعود للحياة.. لؤلؤة طبية تاريخية في قلب القاهرة الفاطمية

في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتنفس الجدران عبق سبعة قرون من الزمان، يستعد مستشفى قلاوون الأثري لفتح صفحة جديدة في تاريخه العريق. فبتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، انطلقت شرارة مشروع طموح يعيد لهذا الصرح الطبي رونقه، ليمزج بين أصالة الماضي وتقنيات المستقبل في نموذج فريد.
تحرك عاجل لوضع رؤية التطوير موضع التنفيذ
استجابة فورية للتوجيهات الرئاسية، كلف الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، ببدء العمل على خطة متكاملة لإعادة إحياء مستشفى قلاوون للرمد بحي الجمالية. الهدف ليس مجرد ترميم، بل تحويله إلى منارة طبية تليق بتاريخه العظيم، مع الحفاظ على طابعه الأثري الذي يمثل جزءًا أصيلًا من هوية المنطقة.
على أرض الواقع، تحركت عجلة التنفيذ سريعًا بزيارة تفقدية قام بها اليوم الخميس الدكتور محمد الطيب، مساعد وزير الصحة للحوكمة والشئون الفنية. ورافقه وفد رفيع المستوى يضم ممثلين عن شركة المقاولون العرب، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، لوضع اللمسات الأولى لخطة عمل فورية ومحكمة.
خارطة طريق لمستقبل يجمع الأصالة والحداثة
شهد اللقاء استعراضًا دقيقًا لملامح المشروع الذي يهدف إلى تحويل المستشفى لمركز متخصص في طب العيون وصحة الأسنان. وأكد المجتمعون على ضرورة التنسيق الكامل بين كافة الجهات، مع وضع جدول زمني مضغوط، وتقديم تقارير متابعة يومية لضمان سرعة الإنجاز وفقًا لأعلى معايير الجودة العالمية.
وتشمل خطة تطوير القطاع الصحي هذه، والتي تعد نموذجًا في ترميم الآثار الطبية، عدة محاور رئيسية:
- ترميم معماري وإنشائي دقيق للمباني الثلاثة (الرئيسي، الأسنان، الأبحاث) للحفاظ على الهوية التاريخية.
- تحديث شامل للواجهات والفراغات الداخلية لتلبية المعايير الصحية الحديثة ومتطلبات السلامة.
- تجهيز المستشفى بأحدث المعدات الطبية والأثاث المتطور في مجالي الرمد والأسنان.
- تطبيق أنظمة الحوكمة والرقابة الرقمية لضمان كفاءة التشغيل وتقديم خدمة مميزة للمواطنين.
منارة الطب في العصر المملوكي.. تاريخ من العطاء
لا يمكن الحديث عن هذا المشروع دون الغوص في تاريخ هذا الصرح الشامخ. فالمستشفى، الذي أسسه السلطان المنصور سيف الدين قلاوون عام 1284 ميلاديًا، لم يكن مجرد مكان للعلاج، بل كان أول “بيمارستان” متكامل في التاريخ الإسلامي يقدم خدماته مجانًا للجميع، ويضم أقسامًا متخصصة للجراحة والنساء والحميات، وكان قسم الرمد به هو الأشهر على الإطلاق.
على مر العصور، ظل المستشفى رمزًا للعطاء، حيث شهد تجديدات هامة في عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم ترميمات في العصر العثماني على يد الأمير عبد الرحمن كتخدا. ويأتي هذا التطوير الحديث ليكمل مسيرة تاريخية ممتدة، مؤكدًا أن مصر لا تنسى كنوزها الحضارية.
إن مشروع تطوير مستشفى قلاوون ليس مجرد عملية بناء وتحديث، بل هو رسالة قوية تؤكد التزام الدولة المصرية بصون تراثها العريق ودمجه في خطط التنمية المستدامة. إنه وعد بمستقبل صحي أفضل لسكان القاهرة التاريخية، ونموذج فريد يثبت أن عراقة الماضي يمكن أن تكون حجر الزاوية لبناء مستقبل أكثر إشراقًا.









