فن

محمود عبد السميع: عقود من الإبداع في حرفية الصورة السينمائية بمهرجان القاهرة

مدير التصوير الكبير يكشف أسرار مهنته وتطورها في ندوة حوارية.

شهدت فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 46، ندوة محورية بعنوان «حرفية الصورة السينمائية»، استضافت مدير التصوير القدير محمود عبد السميع. الندوة لم تكن مجرد استعراض لخبرات فنية، بل كانت رحلة إنسانية عبر عقود من العطاء، كشف فيها عبد السميع عن جوانب خفية من مسيرته وعلاقته العميقة بعالم السينما، تاركًا خلفه إلهامًا لا يُقدر بثمن للحضور.

بدايات مبكرة

تحدث عبد السميع، بأسلوبه الهادئ والواثق، عن أولى خطواته في عالم التصوير السينمائي، مشيرًا إلى استخدامه كاميرا السينما للمرة الأولى عام 1961. هذا التاريخ ليس مجرد رقم، بل هو إشارة إلى حقبة زمنية شهدت تحولات كبرى في الصناعة، حيث كانت الكاميرات تعتمد على الأشرطة التي تتطلب معاملة خاصة ودقة متناهية لتجنب تسرب الضوء، وهو ما يؤكد على أهمية الفهم العميق للتقنيات آنذاك. يذكرنا هذا بأن الإبداع غالبًا ما يولد من رحم التحديات التقنية.

تعلم مستمر

وفي سياق متصل، أكد عبد السميع على أن التعلم المستمر ودراسة التقنيات الحديثة هي الركيزة الأساسية لأي مصور سينمائي متمكن. هذه الرؤية تعكس فلسفة مهنية تتجاوز مجرد التقاط الصور، لتصل إلى فهم عميق للغة البصرية وكيفية تشكيلها. فالصورة السينمائية ليست مجرد لقطة، بل هي بناء فني ومهني يتطلب تحديثًا دائمًا للمعرفة، وهو ما يفسر استمرارية عطائه رغم تغير العصور.

كواليس الإبداع

لم تخلُ الندوة من الكواليس الطريفة والعميقة، حيث كشف عبد السميع أنه لم يكن الخيار الأول لتصوير فيلم «التعويذة» الشهير، بل جاء ترشيحه من زميله محسن أحمد. هذه اللفتة الإنسانية تسلط الضوء على روح التعاون والتقدير المتبادل بين مبدعي السينما، وكيف أن الثقة المهنية قد تفتح أبوابًا لم تكن متوقعة. إنها قصة صغيرة لكنها تحمل دلالات كبيرة عن العلاقات الإنسانية في عالم الفن.

صداقة فنية

وعن علاقته بالفنان حسين فهمي، تحدث عبد السميع عن صداقة تمتد منذ عام 1968، بدأت باقتراح فهمي تصوير فيلم قصير. هذه العلاقة لم تكن مجرد زمالة، بل كانت شراكة فنية عميقة، حيث أشار عبد السميع إلى أن فهمي، رغم كونه مخرجًا في الأساس، اختار التمثيل في ذلك العمل، مما أكسبه رؤية فنية ووعيًا كبيرًا بالمادة التي يقدمها. هذا التداخل بين الأدوار يعزز من جودة العمل الفني ويخلق فهمًا مشتركًا بين فريق العمل.

إرث سينمائي

تُعد مسيرة محمود عبد السميع نموذجًا حيًا لتطور السينما المصرية، من عصر الأفلام الكلاسيكية إلى التقنيات المعاصرة. إن إسهاماته لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل البصمة الفنية التي تركها في العديد من الأعمال الخالدة. يرى مراقبون أن هذه الندوات في مهرجان القاهرة السينمائي لا تكتفي بتكريم الرواد، بل تسعى لربط الأجيال، وتقديم خلاصات الخبرة كمنارة للمستقبل، وهو ما يعكس دور المهرجان الحيوي في المشهد الثقافي العربي.

مستقبل الصورة

في الختام، يمكن القول إن ندوة «حرفية الصورة السينمائية» لم تكن مجرد استعراض لخبرات الماضي، بل كانت دعوة للتأمل في مستقبل الصورة السينمائية. إنها تذكير بأن جوهر الإبداع يكمن في الشغف بالتعلم، وتقدير الزملاء، والفهم العميق للغة البصرية. هذه المبادئ، التي جسدها محمود عبد السميع في مسيرته، تظل حجر الزاوية لأي تطور حقيقي في صناعة السينما، محليًا وعالميًا، وتؤكد أن اللمسة البشرية هي ما يمنح الصورة روحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *