أثارت تصريحات حديثة للممثل والمنتج الأمريكي الشهير مات ديمون جدلاً واسعاً، وأعادت إلى الواجهة النقاش الدائر حول التغييرات التي أحدثتها منصات البث الرقمي في قواعد السرد السينمائي والتلفزيوني. يبدو أن هذه المنصات تسعى لتكييف المحتوى مع سلوك المشاهد المعاصر، الذي يتسم بالتشتت والانشغال بالهاتف.
وكشف ديمون، خلال استضافته في بودكاست “The Joe Rogan Experience”، عن توجيهات تلقاها كتاب سيناريو فيلم “The Rip”، المعروض على نتفليكس. أشار إلى أن المنصة “تفضل إعادة شرح حبكة العمل ثلاث أو أربع مرات في الحوار، لأن الجمهور يشاهد وهو يستخدم هواتفه”.
كما أوضح ديمون أن النموذج التقليدي لأفلام الأكشن، الذي يعتمد على تصاعد الأحداث وصولاً إلى ذروة في النهاية، قد تغير. المنصة، بحسب قوله، تطلب مشهداً كبيراً ومثيراً في أول خمس دقائق لضمان استمرار المشاهدة.
هذه التصريحات أعادت إشعال الجدل حول ما يُعرف بـ “محتوى المشاهد نصف المنتبه” أو “Background TV”، وهو المحتوى الذي يمكن متابعته بينما ينشغل المشاهد بهاتفه أو أي جهاز آخر. تعود جذور هذه الظاهرة إلى مفهوم “Second-Screen Viewing”، أي استخدام جهاز ثانٍ أثناء مشاهدة العرض الرئيسي، وهو سلوك قديم لكنه بات أكثر انتشاراً مع هيمنة الهواتف الذكية.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة “YouGovh” المتخصصة عام 2023، وشمل 17 سوقاً عالمية، أن أكثر من نصف المشاهدين، ومنهم 55% في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يؤكدون استخدامهم لهواتفهم أثناء مشاهدة التلفزيون أو المحتوى الرقمي، وفق ما نقلته مصادر صحفية دولية.
تعتمد منظومات البث الرقمية على خوارزميات دقيقة تقيس معدلات المشاهدة ومدى احتفاظها بالجمهور. أي توقف عن المشاهدة أو انتقال إلى محتوى آخر ينعكس سلباً على تقييمات العمل وترتيبه ضمن قوائم المنصة. لذلك، ترى المنصات أن الاهتمام المتقطع يهدد استمرارية مشاهدة العمل كاملاً، ما يدفع صناع المحتوى إلى تضمين عناصر مثل التكرار في النص والإيقاع السريع.
من أساليب الاستجابة لهذا الواقع الجديد، تبسيط السيناريو وتكراره بصيغ واضحة داخل الحوار. هذا النهج قد يبدو مخالفاً لقواعد “Show, don’t tell”، المبدأ الأساسي الذي يُدرس لكل صناع السينما والتلفزيون.
في سياق متصل، ناقشت صحف دولية فرضية أن نتفليكس وغيرها من منصات البث تعيد تشكيل لغة السرد التلفزيوني عمداً لتناسب جمهوراً مشتت الانتباه بسبب الهاتف. ينبع هذا الطرح من ملاحظة تزايد اعتماد المسلسلات الحديثة على الحوار التفسيري، وتكرار نقاط الحبكة، وتلخيص ما حدث داخل القصة نفسها، بدلاً من السرد البصري أو الإيحاء الدرامي. ويربط مراقبون هذا التحول بسلوك شائع بين المشاهدين، خاصة الأجيال الأصغر، الذين يقسمون انتباههم بين الشاشة والتصفح على الهاتف.
ونقلت تقارير صحفية شهادات من كتاب سيناريو في الصناعة، أكدوا تلقيهم ملاحظات تحريرية تفترض صراحة أن المشاهد قد لا يكون بكامل تركيزه. تضمنت هذه الملاحظات طلبات لجعل الأحداث أوضح، أو أن “تعلن الشخصيات ما تفعله”، حتى لا يضيع الخيط الدرامي على من يترك الشاشة للحظات. ورغم أن نتفليكس لا تعترف رسمياً بهذه السياسة، إلا أنها عملياً تنتج أعمالاً أبسط سردياً، بإيقاع أسرع، ومشاهد جذب مبكرة، لتقليل خطر تخلي المشاهد عن الحلقة.
تباينت ردود الفعل حول هذا الأمر. يرى البعض أن ما يحدث ليس بالضرورة خفضاً لجودة الفن، بل هو تكيف مع واقع جديد في سلوك الجمهور. برامج الواقع والمسلسلات البسيطة، على سبيل المثال، يراها نقاد أشبه بـ “محتوى سماعي” مصمم للانغماس الجزئي والمشاركة على الشبكات الاجتماعية. يُنظر إلى هذا النهج كجزء من استراتيجية أوسع لضمان الاحتفاظ بالمشاهدين داخل منصة البث، في عالم تتنافس فيه التطبيقات على كل ثانية من اهتمام المستخدم عبر الهاتف.
في المقابل، هناك قلق متزايد لدى كتاب السيناريو والنقاد من أن هذا الأسلوب يؤدي إلى تفكيك اللغة الفنية التي اعتمدت لقرون على الأسلوب البصري والتمثيل الدرامي الدقيق، وتحويلها إلى سرد لفظي مبسط. يرى هؤلاء أن إعادة الشرح المتكرر في الحوار يضعف عمق الحبكة والرمزية، ويقلل من جودة القصص الروائية.
مات ديمون نفسه أشار ضمنياً إلى هذا التوتر، موضحاً أن مثل هذه الضغوط قد تؤثر على طريقة سرد القصص، بل وتقيد حرية صانعي الأفلام. ورغم ذلك، لا تزال هناك أعمال ناجحة مثل مسلسل “Adolescence”، والتي تؤكد أن روايات أكثر تعقيداً لا تزال قادرة على جذب الجمهور دون الخضوع لقواعد “Second Screen”، وفقاً لمصادر صحفية.
ظاهرة “Second-Screen Viewing” باتت جزءاً لا يتجزأ من تحول ثقافي أوسع في كيفية استهلاك المحتوى. جمهور اليوم يقسم انتباهه بين عدة مصادر في آن واحد، من الشبكات الاجتماعية إلى الرسائل الخاصة، ما يؤثر بشكل مباشر على التركيز الذي يمكن لأي عمل فني أن يطلبه من مشاهديه.
هذه الظاهرة تعكس صناعة تتصارع مع واقع جديد، بين جمهور مشتت، ومنصات تسعى للاحتفاظ به، وكتاب يعيدون التفكير في قواعد السرد. هو صدام بين ثوابت الفن القصصي ومتطلبات اقتصاد الانتباه في العصر الرقمي.
