ليبيا: هيئة رئاسية جديدة تثير الجدل حول مستقبل الانتخابات
في خطوة مفاجئة، أعلنت المؤسسات في طرابلس عن تشكيل "الهيئة العليا للرئاسات"، مما أثار تساؤلات حول دوافعها الحقيقية في ظل تعثر المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة.

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الليبية، تم الإعلان عن تشكيل “الهيئة العليا للرئاسات” في غرب البلاد. جاء هذا الإعلان في توقيت دقيق وحساس. فالبعثة الأممية تكثف استعداداتها للدفع نحو إجراء الانتخابات، بينما تتصاعد حدة الخطاب السياسي بين الأطراف المتنافسة. هذه الخطوة، التي قُدمت كإطار تنسيقي، يُنظر إليها بعين الريبة من قبل العديد من المراقبين الذين يخشون أن تكون مجرد مناورة سياسية جديدة في بلد أنهكته الانقسامات لأكثر من عقد من الزمن.
رسمياً، تهدف الهيئة إلى توحيد القرار في الملفات الاستراتيجية. تضم الهيئة المجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة الوطنية، والمجلس الأعلى للدولة. البيان التأسيسي أكد أنها لن تخلق كيانات جديدة أو أعباء إضافية. لكن هذا التبرير لم يهدئ المخاوف، حيث يرى محللون أن هذه الهيئة تمثل محاولة من حكومة عبد الحميد الدبيبة لتعزيز نفوذها المتقلص، خاصة وأن سيطرتها الفعلية تقتصر على أجزاء من شمال غرب ليبيا. إنها محاولة لفرض واقع سياسي جديد في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لإيجاد حل شامل للأزمة التي بدأت جذورها بالتشكل منذ عام 2011.
مواقف متضاربة وتحديات أمام المسار الأممي
يتزامن الإعلان عن الهيئة مع دعوة قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، إلى حماية المال العام، في إشارة ضمنية إلى اتهامات بالفساد موجهة للحكومة في طرابلس. هذا التصعيد يعكس عمق انعدام الثقة بين الشرق والغرب. يرى ناشطون ليبيون أن الهيئة الجديدة قد تهدف إلى عرقلة خارطة الطريق التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL)، والتي تسعى لتشكيل حكومة موحدة تشرف على الانتخابات. إن غياب أي إشارة إلى الاستحقاق الانتخابي في بيان تأسيس الهيئة يغذي هذه الشكوك، ويترك المواطن الليبي، الذي ينتظر فرصة الإدلاء بصوته منذ سنوات، في حالة من الإحباط والقلق المتزايد.
تتفاقم الأزمة بسبب التدهور الأمني والمعيشي في العاصمة طرابلس ومحيطها. سيطرة الميليشيات على مفاصل الدولة لا تزال واقعاً ملموساً. ومن منظور دستوري، يمثل دمج السلطات التنفيذية والرئاسية والتشريعية في هيئة واحدة مخالفة صريحة لمبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد أعمدة بناء أي دولة حديثة ومستقرة. هذا التداخل يضعف المؤسسات بدلاً من أن يقويها.
شرعية متآكلة ومخاطر استمرار الانقسام
يُنظر إلى قرار إنشاء “هيئة الرئاسات” على أنه رد فعل على واقع سياسي متردٍ تعانيه حكومة غرب ليبيا. فقد شهدت الحكومة استقالة ما يقرب من ثلاثة عشر وزيراً، بينما يواجه بعض مسؤوليها اتهامات بالفساد وسوء إدارة المال العام. هذه العوامل مجتمعة تعكس فشلاً في تحقيق الاستقرار وفرض سيادة القانون. بدلاً من أن تكون خطوة نحو توحيد ليبيا، قد تتحول هذه الهيئة إلى أداة لترسيخ الانقسام وإطالة أمد الأزمة، مما يبقي البلاد رهينة لصراعات النفوذ والمصالح الضيقة على حساب تطلعات شعبها في السلام والديمقراطية.









