رياضة

كرة الشراب: تاريخ خفي لشغف مصري أصيل في زمن مضى

حكايات من زمن الكرة الشراب: شغف، مراهنات، ورفض المساومة

في منتصف القرن الماضي، وقبل أن تسيطر الأضواء الكاشفة على الملاعب الحديثة، كانت ميادين مصر الشعبية مسرحًا لظاهرة رياضية فريدة من نوعها: “كرة الشراب”. لم تكن مجرد لعبة عابرة، بل كانت شغفًا جماهيريًا يضاهي في شعبيته كرة القدم الاحترافية، ومرآة تعكس روح التنافس الأصيلة التي تسكن قلوب المصريين.

شغف جماهيري

كانت الساحات الترابية تكتظ بالمتفرجين، لا لمتابعة مباريات الدوري الممتاز، بل لمشاهدة نجوم الكرة الشراب وهم يتنافسون بمهارة لافتة. هذه اللعبة، التي اعتمدت على كرة مصنوعة من القماش أو الجوارب، استطاعت أن تخلق لنفسها قاعدة جماهيرية عريضة، تُظهر مدى تعلق المصريين بكرة القدم حتى بأبسط صورها.

قوانين اللعبة

يُشير محيي أراجوز، أحد أساطير هذه اللعبة، إلى أن قوانين الكرة الشراب كانت تتشابه بشكل كبير مع كرة القدم الكبيرة. يقول أراجوز: “الفارق الوحيد كان أنها تُلعب داخل ملعب صغير ولا يوجد تسلل، لكن رمية التماس تُلعب باليد مثلها مثل الملاعب الكبيرة وباقي القوانين كانت موحدة مع الدوري الممتاز”. هذا التشابه يؤكد أن اللعبة لم تكن مجرد عشوائية، بل كانت منظمة وتُحترم قواعدها، مما أضفى عليها طابعًا احترافيًا مبكرًا.

رهانات وتحديات

لم يقتصر الأمر على الشغف الرياضي، بل امتد ليشمل جانبًا اقتصاديًا غير رسمي. كانت الجماهير تدفع الأموال وتراهن على الفرق التي ترى أنها ستحقق الفوز، في مشهد يعكس حيوية المجتمع وتفاعله مع هذه الظاهرة. هذا الجانب المالي، وإن كان غير رسمي، يؤكد مدى الجدية التي كانت تُعامل بها اللعبة.

دخول المستثمرين

يروي أراجوز تفاصيل تطور هذا الجانب، موضحًا: “كان يوجد مراهنات في لعبة الكرة الشراب بين الأشخاص على الفرق الفائزة، لكن الأمر تغير بعد دخول المستثمرين وتكوين فرق كرة شراب وتحمل المستثمر كافة التكاليف المادية والنفقات الخاصة بها مقابل أن تشارك باسمه في المباريات والدورات المختلفة”. هذا التحول يُظهر كيف يمكن للشغف الشعبي أن يتحول إلى استثمار، حتى في ألعاب الشارع، في دلالة على مرونة المجتمع المصري وقدرته على التكيف.

نزاهة اللاعبين

الأمر لم يتوقف عند المراهنات على الفوز فحسب، بل وصل إلى عروض مالية لنجوم اللعبة لـ“تفويت المباريات”. يروي أراجوز: “تُعرض عليّ كثيرًا أموال مقابل ترك الفريق المنافس يفوز، لكني كنت أرفض هذا الأمر تمامًا”. هذه المواقف تُبرز قيم النزاهة والروح الرياضية التي تمسك بها بعض اللاعبين، رغم الإغراءات، وهو ما يُعد شهادة على أخلاقيات الرياضة حتى في بيئاتها غير الرسمية.

تنظيم احترافي

الأهمية الكبيرة التي حظيت بها الكرة الشراب كانت تتجلى أيضًا في الاهتمام القوي من منظمي الدورات. كانوا يتعاملون مع هذه البطولات باحترافية تامة، وكأنها ليست مجرد هواية في الساحات. يقول أراجوز: “الجوائز التي كانت تُوزع وتُقدم في دورات وبطولات الكرة الشراب، كانت لا تقل بأي شكل عن الجوائز التي تُقدم للفرق المحترفة في بطولة الدوري أو الخاصة بالاتحاد المصري”. هذا المستوى من التنظيم يؤكد أن اللعبة كانت تُعامل بجدية بالغة، مما يعكس تقدير المجتمع لها.

مواقف حاسمة

لم يكن أراجوز وحده من تعرض لمثل هذه المواقف. مجدي إمام، أحد نجوم اللعبة أيضًا، يروي: “عُرض عليّ من بعض الأشخاص 10 جنيهات رشوة خلال مشاركتي مع فريقي في دورة بالقللي، لترك الفريق المنافس يفوز”. هذا العرض، الذي جاء نتيجة خوف المنافسين من مهارة إمام، يُظهر مدى التنافسية الشديدة التي كانت سائدة، وأن قيمة اللاعب كانت تُقدر حتى بمبالغ مالية، وإن كانت بسيطة بمعايير اليوم.

رد فعل إمام كان قويًا للغاية، حيث شعر بالغضب الشديد من هذا العرض: “رفضت هذا الأمر وحزنت بسبب عرضهم هذا الأمر علي، وأنهم ينظرون لي على أنني ألعب من أجل المال ويمكن أن أخون فريقي الذي ألعب ضمن صفوفه”. هذه المشاعر الإنسانية الصادقة تُبرز مدى الارتباط الوجداني باللعبة والفريق، وأن الولاء الرياضي كان أسمى من أي مكسب مادي. هذا التصرف منحه إصرارًا أكبر على الفوز وتقديم مستوى كبير، ليقود فريقه للانتصار، في قصة تُجسد روح التحدي والإصرار.

إرث رياضي

تُعد حكايات الكرة الشراب جزءًا لا يتجزأ من التراث الرياضي المصري، فهي لا تروي قصة لعبة شعبية فحسب، بل تُقدم لمحة عن مجتمع كان يجد في أبسط الإمكانيات متنفسًا لشغفه الرياضي. لعلها كانت تعبيرًا صادقًا عن روح التنافس التي لا تعرف حدودًا، وأن الروح الرياضية الحقيقية لا تحتاج إلى ملاعب فاخرة لتتألق، بل يكفيها شغف القلوب وإصرار اللاعبين.

في الختام، تبقى الكرة الشراب ذكرى خالدة في أذهان جيل كامل، شاهدًا على أن كرة القدم، في جوهرها، هي شغف إنساني يتجاوز الملاعب الكبيرة والأضواء الساطعة، ليجد طريقه إلى قلوب الناس في كل زمان ومكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *