عرب وعالم

كراماتورسك وسلوفيانسك: آخر الحصون الصامدة في مواجهة زحف روسيا بشرق أوكرانيا

المدن الأوكرانية تستعد لمعركة دونباس الكبرى تحت وطأة قصف المسيرات وتوقعات بحرب طويلة الأمد.

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

تتصاعد وتيرة التوتر بلا هوادة على خطوط التماس في شرق أوكرانيا، حيث تخيم أجواء من الضبابية والحذر على مواقع اللواء 93 الأوكراني بالقرب من دروزكيفكا، شمال كراماتورسك في إقليم دونيتسك. فالشبح الدائم للمسيّرات الروسية المحلقة في السماء يفرض واقعاً قاسياً، يدفع الجنود المحتمين في خنادق موحلة إلى ملازمة مواقعهم والحد من الظهور قدر الإمكان. هناك، ضمن هذه المواقع، شاشات متصلة بهوائيات أرضية ترصد تحركات الطائرات المعادية، لتنطلق بعدها جهود إسقاطها من نقاط أخرى، في معركة أثيرية لا تتوقف. يكشف الجندي الأربعيني كوستاس، وهو يشير إلى صور مسروقة من مسيّرة روسية على إحدى تلك الشاشات، جوهر هذه الحرب: معركة إلكترونية ضارية تتجاوز المواجهات التقليدية. ورغم التهديد المستمر، لم يلتقِ غالبية هؤلاء الجنود بجندي روسي وجهاً لوجه طوال فترة الصراع.

منذ الأول من مارس الماضي، تغير المشهد الميداني بشكل ملحوظ. فبعد أن سجلت القوات الأوكرانية تقدماً في مواقع روسية شرقي وجنوبي البلاد، شهدت الأيام اللاحقة من الشهر تحسينات متتالية لصالح القوات الروسية. هذه التطورات، وإن كانت تغييرات طفيفة على خطوط الجبهة، إلا أنها ترسم اتجاهاً يميل ببطء لصالح موسكو، وفق ما يوثقه موقع Deep State، وهو مرجع مستقل يتابع خريطة الصراع. حالياً، تسيطر روسيا على 78.5% من الإقليم الشرقي الذي يضم لوغانسك ودونيتسك. ومع ذلك، تشير تقديرات مؤسسي الموقع، روسلان ميكولا ورومان بوغوريلي، إلى أن موسكو قد تحتاج ما يقرب من عامين لإخضاع ما تبقى من هذه الأراضي بالكامل بالوتيرة الحالية للتقدم، مما يعكس تحدياً لوجستياً وبشرياً كبيراً.

تمثل مدينتا كراماتورسك وسلوفيانسك، الواقعتان على بعد حوالي خمسة عشر كيلومتراً من مواقع العدو، آخر معاقل كييف الكبيرة في الـ21.5% المتبقية من شرق أوكرانيا. ويُجمع الخبراء على أن هذه المنطقة ستكون مسرحاً للمواجهة الكبرى القادمة من أجل السيطرة الكاملة على إقليم دونباس – الذي يضم المقاطعتين المذكورتين – وهو الهدف الذي طالما سعى إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويُعد إحدى نقاط الخلاف الرئيسية في أي مفاوضات محتملة لإنهاء الصراع.

تتعرض المراكز الحضرية في كراماتورسك وسلوفيانسك، ومحيطها، لوابل يومي من الصواريخ والقنابل الجوية والطائرات المسيّرة. وقد ازداد مؤخراً استخدام المدفعية، ما يشير إلى اقتراب القوات الروسية أكثر فأكثر. أوضح ميكولا في منتدى أمني عُقد في كييف فبراير الماضي، أن القوات الروسية ‘تحدد نقاط ضعفنا’. وتوقع ‘عامين على الأقل من القتال، ستُفقد خلالهما أعداد هائلة من الرجال والمعدات والموارد الأخرى’، مشدداً على التكلفة البشرية والمادية الباهظة لهذه الحرب.

لا يخفي العسكريون الذين تم التشاور معهم في الأسابيع الأخيرة في الميدان مخاوفهم من أن استراتيجية الكرملين تتلخص في قصف متواصل ومكثف على مدى أشهر، يسبق محاولة تطويق المدينتين. إسقاط هذين المركزين الحضريين، اللذين لا يزالان يضمان عشرات الآلاف من السكان، من مدنيين وعناصر أمن، لن يكون سهلاً أو سريعاً، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن معركة بوكروفسك، وهي بلدة أخرى في دونيتسك أعلن بوتين فتحها العام الماضي، لا تزال مستمرة حتى اليوم، في إشارة إلى مدى تعقيد وطول أمد المعارك في هذه المنطقة.

في خندق تحت الأرض، يواصل الجندي الأوكراني كوستاس، البالغ من العمر 41 عاماً، عمله في اختراق إشارات العدو والسيطرة على إحدى مسيّراتهم. يشرح كيف يتمكنون من الوصول إلى مسيّرة من طراز ‘مولينيا’، ومعرفة موقعها الفوري، مستوى بطاريتها، ارتفاعها، وحتى الصور التي تلتقطها كاميرتها. تُنقل هذه المعلومات الحيوية إلى مركز قيادة مركزي. بعد لحظات، يعرضون صوراً لمسيّرة اعترضوها فوق بلدة كوستانتينيفكا، التي تعرضت لقصف وحشي من قبل قوات الكرملين في الأشهر الأخيرة. ومع ذلك، يعترف كوستاس بأن الروس قادرون على تغيير الترددات في منتصف الرحلة، مما يعرقل جهود الأوكرانيين لتتبع المسيرات، ويجعل هذه المعركة الإلكترونية دائمة التغير.

القائد ‘مارتن’، وهو اسم حركي لضابط في نفس لواء كوستاس، يلتزم الحذر، ويقر بعدم امتلاكه معلومات كافية لإجراء تحليل شامل لما قد يحدث في جبهة دونباس. لكنه لاحظ، مع ذلك، أن الروس عززوا من قدراتهم في مجال المسيّرات الانتحارية خلال الشهرين الأولين من العام، بنشر المزيد من الوحدات المتخصصة. ويأسف قائلاً: ‘أحياناً يطلقون 17 مسيّرة دفعة واحدة. يمكنك إسقاط عشرة منها… لكن يتبقى لك سبعة أخرى’، مما يعكس حجم التحدي الذي يواجهونه.

في الأثناء، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إحباط الهجوم الذي زعم أن الروس كانوا يجهزون له هذا الشهر. وقد صد الجيش الأوكراني آخر هجوم في هريشين، على جبهة بوكروفسك في دونيتسك، حسبما أعلن الجيش يوم الأربعاء. وفي يوم الخميس، أكدوا إسقاط مروحية معادية باستخدام طائرة مسيّرة في المنطقة ذاتها. وجاء رداً على أسئلة الصحفيين يوم الخميس، أن ‘القوات المحلية أحبطت الهجوم الذي كان الروس قد خططوا له’ والذي كان من المفترض أن يبدأ في مارس، في محاولة لرفع المعنويات وإظهار قدرة الجيش على الصمود.

تودّع كراماتورسك هذه الأيام فصل الشتاء الثقيل، الذي وصف بأنه الأقسى منذ بدء الغزو الروسي الكبير في فبراير 2022، وتستقبل الربيع. مجموعة من النساء، يحملن المكانس، يزحن بقايا الأوساخ المتراكمة في شارع قريب من محطة القطار. تبدو المرافق مهجورة منذ أن اضطرت شركة السكك الحديدية قبل أربعة أشهر إلى إلغاء هذه الرحلة بسبب ضغط المسيّرات الروسية، مما يعكس شللاً تدريجياً في البنية التحتية المدنية.

بجوار السياج، يقف النصب التذكاري الذي يخلد ذكرى إحدى أكبر المجازر بحق المدنيين التي ارتكبتها القوات الروسية عند مهاجمة هذه المحطة في أبريل 2022، حين كان الآلاف يجرون عمليات إجلاء. فقد حصدت تلك المأساة أرواح أكثر من 60 شخصاً. اليوم، يضطر المسافرون، وكثير منهم من العسكريين، إلى إتمام الساعات الثلاث الأخيرة من رحلتهم بالحافلة، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في الحياة اليومية لسكان المنطقة.

في الساحة المنعزلة بكراماتورسك، تتجول سفيتلانا هولوفانيك، البالغة من العمر 80 عاماً. تروي أنها بقيت نحو عام لاجئة في كييف، لكن الظروف الاقتصادية أجبرتها على العودة إلى شقتها في هذه المدينة. تعيش هنا مع زوجها المريض، ولا تخفي خوفها خاصة في الليل، حيث تحدث معظم الهجمات. ورغم كل ذلك، لا تفكر حالياً في المغادرة إلا إذا صدر أمر إخلاء عام للمدينة. ‘لدينا دواء ومستشفى’، تضيف، في إشارة إلى الرعاية التي يحتاجها زوجها الذي عانى من نوبة قلبية. وفجأة، يتسبب دوي انفجار في الخلفية في تحليق سرب من الحمام الذي يحيط بالمرأة، في تذكير قاسٍ بأن الحياة تستمر على إيقاع الحرب.

على بعد أمتار قليلة، تحاول الحياة التشبث ببعض مظاهر ‘الحياة الطبيعية’ الزائفة، كسلاح للبقاء بالنسبة للسكان، حول المتاجر والبنوك والمقاهي وورش العمل وصالونات الحلاقة. هذه الأنشطة تتناوب مع بقايا القصف الأخير التي تتناثر هنا وهناك في أنحاء كراماتورسك. ويقف حطام مطعم ‘ريا بيتزا’ شاهداً صامتاً على مرور الزمن، حيث أصاب صاروخ المكان في صيف 2023، ليودي بحياة اثني عشر شخصاً، من بينهم الكاتبة فيكتوريا أميلينا، في جريمة حرب مدوية.

في سلوفيانسك، على بعد عشرين كيلومتراً، المشهد لا يختلف كثيراً. فالمدينة، مثل كراماتورسك، تقع في عين العاصفة منذ أن شنت قوات الكرملين أول هجوم لها في دونباس عام 2014، أي قبل ثماني سنوات من الغزو الشامل عام 2022.

اتخذت السلطات هناك قراراً قاسياً بوقف تشغيل حافلات الترولي، لإعطاء الأولوية لإنشاء شبكة من ‘الأنفاق الهوائية’ فوق الشوارع في جميع أنحاء المدينة، لتكون بمثابة دروع واقية ضد المسيّرات. تتسع ‘منطقة الموت’ باطراد مع تطور الأسلحة، ولذلك، تكتسب هذه الهندسة المؤقتة الجديدة أرضية، ورغم أنها لا توفر حماية كاملة ضد الطائرات المسيّرة متوسطة أو كبيرة الحجم، إلا أنها تعمل بشكل ما كمهدئ للأعصاب للمواطنين الذين يضطرون للتنقل في المنطقة، في محاولة يائسة للتكيف مع واقع جديد فرضته الحرب.

مقالات ذات صلة