الأخبار

قمة بروكسل: مصر وأوروبا ترسمان ملامح شراكة استراتيجية جديدة

في قمة تاريخية، السيسي يبحث مع قادة الاتحاد الأوروبي ملفات غزة والسودان والهجرة غير الشرعية لتعزيز التعاون المشترك

في خطوة تعكس عمق العلاقات المتنامية، استضافت العاصمة البلجيكية بروكسل القمة المصرية الأوروبية الأولى، التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي بقادة الاتحاد الأوروبي. تمثل هذه القمة، التي عُقدت بمقر المجلس الأوروبي، تتويجًا لمسار طويل من التعاون وتدشينًا لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين ضفتي المتوسط.

وصل الرئيس السيسي إلى مقر المجلس الأوروبي، حيث كان في استقباله رئيس المجلس أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في مشهد بروتوكولي يعكس الأهمية التي يوليها الجانب الأوروبي لهذه الزيارة. وضم الوفد المصري الرسمي شخصيات وزارية رفيعة المستوى، من بينهم وزراء الخارجية والتخطيط والاستثمار، مما يشير إلى الطبيعة متعددة الأبعاد للمباحثات التي لم تقتصر على الجانب السياسي فقط.

شراكة تتجاوز الجغرافيا

أكد الرئيس السيسي في كلمته الافتتاحية أن القمة تجسد التزامًا مشتركًا بتعميق الشراكة الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن مصر ليست مجرد جار جغرافي، بل تمثل عمقًا استراتيجيًا وشريكًا موثوقًا لأوروبا. وتأتي هذه القمة كأول حدث من نوعه يعقده الاتحاد الأوروبي مع دولة من جنوب المتوسط، وهو ما يمنح دلالة واضحة على الاعتراف بالثقل المصري كفاعل رئيسي في استقرار المنطقة وقدرته على لعب أدوار محورية في ملفات حيوية لأوروبا.

ركزت المباحثات على محاور محورية تشمل تعزيز الاستثمار في مصر، ودعم التنمية المستدامة، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والأمن والتعليم. إن الإشارة إلى مصر كشريك صناعي وتكنولوجي محتمل تعكس تحولًا في النظرة الأوروبية، من مجرد شريك في إدارة الأزمات إلى حليف قادر على المساهمة في سلاسل الإنتاج والقيمة الأوروبية، خاصة في ظل التوترات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

ملفات إقليمية على طاولة بروكسل

هيمنت التحديات الجيوسياسية على جزء كبير من النقاشات، حيث استعرض الجانبان تطورات الوضع في قطاع غزة. وأطلع الرئيس السيسي القادة الأوروبيين على الجهود المصرية المكثفة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، مؤكدًا أن الهدف الأسمى يظل هو استئناف مسار السلام القائم على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. كما دعا مصر لمشاركة أوروبية فاعلة في مؤتمر إعادة إعمار غزة المزمع عقده العام القادم.

امتدت المناقشات لتشمل الأزمات في السودان وليبيا، حيث أكدت مصر على موقفها الثابت الداعم لوحدة واستقرار البلدين. ففيما يخص السودان، شدد الرئيس على ضرورة وقف إطلاق النار الفوري، بينما أكد بخصوص ليبيا على أهمية خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة وتحقيق تسوية سياسية شاملة بقيادة ليبية، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع مصالح أمن المتوسط الأوروبية.

تحديات مشتركة وحلول متكاملة

كان ملف الهجرة غير الشرعية حاضرًا بقوة، حيث قدمت مصر رؤيتها التي تتجاوز الحلول الأمنية. شدد الرئيس السيسي على أن المعالجة الحقيقية تكمن في منهجية شاملة تعالج الجذور الاقتصادية والاجتماعية للمشكلة عبر تعزيز التنمية وخلق فرص عمل. هذه الرؤية تلقى صدى إيجابيًا لدى أوروبا التي ترى في التجربة المصرية نموذجًا ناجحًا في السيطرة على تدفقات الهجرة انطلاقًا من سواحلها.

في ختام القمة، عُقد مؤتمر صحفي مشترك أكد فيه القادة على نجاح المباحثات، وأن هذه القمة التاريخية تفتح الباب أمام فصل جديد من التعاون الاقتصادي والأمني. إن الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة لا يمثل فقط إنجازًا دبلوماسيًا، بل هو ضرورة تفرضها التحديات المشتركة والمصالح المتبادلة في منطقة تموج بالاضطرابات والفرص على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *