قضية مسن السويس: المصالحة تنهي فصلاً من الجدل القانوني والمجتمعي
بعد إثارتها للرأي العام.. كيف أسدل التصالح الستار على واقعة صفع مسن السويس وما هي دلالات الحكم القضائي؟

أسدلت محكمة جنح فيصل والجناين بمحافظة السويس الستار على واحدة من القضايا التي شغلت الرأي العام المصري مؤخرًا، والمعروفة إعلاميًا بـ”صفع مسن السويس”، حيث قضت ببراءة المتهمين من تهمة البلطجة، ليتم الإفراج عنهما بعد تصالح المجني عليه معهما في تهمة الضرب. ويطوي هذا الحكم صفحة قضائية، لكنه يفتح الباب أمام تحليل أعمق للتفاعلات الاجتماعية والقانونية التي أحاطت بالواقعة منذ بدايتها.
تفاصيل الحكم ودلالاته القانونية
جاء القرار القضائي حاسمًا، حيث برّأت المحكمة المتهمين “عاصم.غ” وشقيقه “علي.غ” من تهمة البلطجة وفرض النفوذ، وهي التهمة الأشد التي وجهتها لهما النيابة العامة في وقت سابق وأمرت بحبسهما على ذمة التحقيقات. وفي المقابل، أقر الحاج غريب مبارك، المجني عليه، بالتصالح رسميًا أمام هيئة المحكمة عن تهمة الضرب، وهو ما يتيح قانونًا انقضاء الدعوى الجنائية في هذا الشق. يعكس هذا المسار القانوني الفارق الدقيق بين التكييف الجنائي للواقعة؛ فبينما رأت النيابة في البداية أن الفعل يرقى لجريمة ترويع تستهدف النظام العام، انتهت المحكمة إلى أنه يندرج في إطار جنحة الضرب التي يجوز فيها التصالح.
من الغضب الشعبي إلى المصالحة
لم تكن القضية مجرد خلاف شخصي، بل تحولت إلى قضية رأي عام بعد انتشار مقطع فيديو يوثق لحظة الاعتداء، مما أثار موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. هذا الزخم الشعبي هو ما دفع أجهزة الدولة للتحرك السريع، حيث تعاملت النيابة العامة مع الواقعة بحزم، موجهةً تهمة البلطجة التي تحمل رسالة ردع مجتمعي. يرى مراقبون أن “الضغط المجتمعي لعب دورًا محوريًا في تصعيد القضية قضائيًا، لكن آليات المصالحة الاجتماعية التقليدية كان لها الكلمة الأخيرة داخل قاعة المحكمة، وهو ما يمثل ظاهرة متكررة في العديد من القضايا ذات الطابع الشخصي في مصر”.
أبعاد اجتماعية تتجاوز الحكم
يُرجع المحلل الاجتماعي، الدكتور سعيد صادق، في تصريح لنيل نيوز، تفاعل المصريين مع القضية إلى “كونها مست قيمًا مجتمعية راسخة تتعلق باحترام كبار السن ورفض الإهانة العلنية”. ويضيف أن “انتهاء القضية بالتصالح قد يُقرأ على مستويين: الأول هو انتصار لأعراف التسامح والصلح الأهلي، والثاني قد يراه البعض تراجعًا عن مبدأ العقاب الرادع في وقائع تمس الكرامة الإنسانية وتتحول إلى شأن عام”.
في المحصلة، يمثل الإفراج عن المتهمين نهاية الإجراءات القانونية في قضية “مسن السويس”، لكن النقاش الذي أثارته حول حدود العلاقة بين القانون والأعراف الاجتماعية، وتأثير الرأي العام الرقمي على مسارات العدالة، سيظل حاضرًا. لقد أظهرت القضية كيف يمكن لواقعة فردية أن تتحول إلى مرآة تعكس قيم المجتمع وتحدياته في آن واحد، مؤكدةً أن بعض القضايا لا تنتهي بصدور الحكم، بل تبقى فصولها مفتوحة في الذاكرة المجتمعية.









