الأخبار

قانون الإجراءات الجنائية: رحلة تشريعية تاريخية نحو دستور الحقوق والحريات في مصر

صحفي ومحرر أخبار في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة التطورات المحلية

بعد رحلة تشريعية ماراثونية استمرت لأكثر من عامين، رأى مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد النور تحت قبة البرلمان، حاملاً معه لقب “دستور الحقوق والحريات”. لكن القصة لم تنتهِ بعد، فمع التوجيه الرئاسي بإعادة النظر في بعض مواده، يدخل القانون فصله الأخير، الذي يترقبه الشارع المصري والمجتمع الحقوقي باهتمام بالغ.

ماراثون تشريعي.. كواليس ولادة القانون

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود؛ فقد استغرقت ولادة هذا التشريع المحوري نحو 28 شهرًا من النقاشات العميقة والعمل الدؤوب داخل أروقة مجلس النواب. بدأت القصة بتشكيل لجنة فرعية متخصصة، عكفت على مدار 14 شهرًا كاملة على صياغة المسودة الأولى، في جلسات مكثفة بلغت 80 ساعة عمل، لتضع حجر الأساس لما سيصبح عليه التشريع المصري الحديث.

ضمت هذه الورشة التشريعية خليطًا فريدًا من الخبرات، حيث جلس نواب البرلمان جنبًا إلى جنب مع ممثلين عن القضاء والنيابة العامة ووزارتي العدل والداخلية، بالإضافة إلى نقابة المحامين والمجلس القومي لحقوق الإنسان وأكاديميين بارزين. هذا الحوار المجتمعي الواسع كان بمثابة ضمانة لخروج قانون متوازن يلبي تطلعات الدولة ويصون الحقوق والحريات للمواطنين.

من اللجان إلى القاعة الرئيسية.. نقاشات موسعة

بعد أن تبنت الحكومة المسودة التي أعدها البرلمان في أغسطس 2024، انتقل النقاش إلى مرحلة أكثر اتساعًا داخل لجنة مشتركة عقدت 37 اجتماعًا إضافيًا. وفي خطوة لافتة، اتسعت دائرة المشاركة لتشمل ممثلين عن القضاء العسكري والهيئة القومية للبريد، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية للقانون وتأثيره على مختلف مؤسسات الدولة.

وصلت ذروة النقاشات في الجلسات العامة للمجلس، حيث شهدت القاعة الرئيسية حوارًا برلمانيًا غير مسبوق. على مدار 26 جلسة عامة، تحدث 212 نائبًا عارضين رؤاهم ومقترحاتهم، وتمت مناقشة 612 تعديلاً مقدمًا من النواب، قبل أن يوافق المجلس بشكل نهائي على المشروع في 29 أبريل 2025، في مشهد يعكس حيوية الأداء النيابي.

شهادات وإشادات.. توافق وطني على القانون

حظي القانون بإشادة واسعة من كافة الأطياف المشاركة، التي رأت فيه نقلة نوعية في منظومة العدالة الجنائية. فقد وصفه وزير العدل، المستشار عدنان فنجري، بأنه “يرسي نظامًا قضائيًا عادلاً يحمي حقوق الإنسان”، بينما اعتبره نقيب المحامين، عبد الحليم علام، ترسيخًا حقيقيًا لضمانات حق الدفاع.

من جانبها، أكدت الدكتورة مشيرة خطاب، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن القانون “يحقق مقاربة حقوقية رصينة تتفق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان“، ويجعل هذه الحقوق واقعًا ملموسًا لكل مصري، وهو ما اتفق معه وزير الخارجية، الذي رأى فيه مبادرة وطنية تنهض بأوضاع حقوق الإنسان في مصر.

محطة أخيرة.. توجيه رئاسي لضبط الصياغات

في تطور مفاجئ ومهم، وفي 21 سبتمبر 2025، ورد اعتراض من رئيس الجمهورية على 8 مواد في مشروع القانون، داعيًا المجلس لإعادة النظر فيها “لترجيح اعتبارات الأحكام والوضوح والواقعية”. وقد لاقى هذا التوجيه ترحيبًا فوريًا من مجلس النواب المصري، الذي ثمن في بيان له هذا الانحياز لدولة القانون، وقرر إدراج الاعتراض على جدول أعمال أولى جلساته في الأول من أكتوبر 2025، لتبدأ بذلك المراجعة النهائية لهذا التشريع التاريخي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *