فن

في ذكرى رحيله.. بيرم التونسي: قامة الأدب الشعبي وصوت السخرية اللاذعة

محمود بيرم التونسي.. رحلة إبداع ومعاناة في ذكرى وفاته

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

تحل اليوم الإثنين الخامس من يناير 2026، الذكرى السنوية لرحيل الشاعر والأديب الكبير محمود بيرم التونسي (1893 ـ 1961)، الذي يُعد أحد أبرز رموز الأدب الشعبي والصحافة الساخرة في مصر والعالم العربي. غيّب الموت بيرم التونسي في الخامس من يناير عام 1961، بعد مسيرة حافلة بالإبداع والمعاناة، تاركًا أثرًا عميقًا في الوجدان الثقافي والفني، لا يزال حاضرًا بقوة رغم مرور عقود على وفاته.

تظل كلمات بيرم التونسي وأعماله الغنائية حاضرة بوضوح في المشهد الثقافي، وقادرة على ملامسة تفاصيل الواقع العربي المعاصر، حتى بعد مرور أكثر من ستة عقود على رحيله، مؤكدة أن المبدع الحقيقي لا يغيب أبدًا.

مَن هو الشاعر بيرم التونسي؟

وُلد محمود محمد مصطفى بيرم الحريري، المعروف ببيرم التونسي، في حي الأنفوشي بالإسكندرية، بتاريخ 23 مارس عام 1893. ترجع أصول أسرته إلى تونس، حيث هاجرت إلى مصر في القرن التاسع عشر، ومن هنا جاء لقبه «التونسي».

تلقى بيرم تعليمه الأولي في الكتّاب، ثم التحق بالمعهد الديني بمسجد المرسي أبو العباس. انقطعت دراسته إثر وفاة والده وهو في الرابعة عشرة من عمره، ليعود بعدها إلى دكان الأسرة، لكنه لم يحقق فيه نجاحًا يُذكر.

على الرغم من ذلك، امتلك بيرم ذكاءً حادًا وذاكرة قوية، مكنته من تثقيف نفسه بنفسه. حفظ «ألفية ابن مالك» ومئات القصائد من الشعر العربي القديم، واطلع على الأدبين العربي والفرنسي. هذه الخلفية مكنته لاحقًا من صياغة أسلوب فريد في الكتابة بالعامية المصرية، قريب من لغة الشارع وهموم الناس.

نال بيرم التونسي شهرته الأولى بفضل قصيدة «بائع الفجل»، التي انتقد فيها مجلس بلدية الإسكندرية بسبب الضرائب العالية، قائلًا بسخرية لاذعة: «قد أوقع القلب في الأشجان والكمدِ.. هوى حبيب يسمى المجلس البلدي». كشفت هذه القصيدة عن موهبته الفائقة في السخرية، لتبدأ بعدها رحلته في عالم الصحافة، فأصدر مجلة «المسلة» عام 1919، ثم تلتها مجلة «الخازوق».

كان بيرم يقوم بكل مهام إصدار صحفه بنفسه؛ يكتب المقالات، ويطبع الأعداد، ويوزعها على نفقته الخاصة، متحديًا بذلك الرقابة والاستعمار والأسرة الحاكمة. وللتحايل على محاولات إغلاق صحيفته، كتب على غلافها عبارته الشهيرة: «المسلة.. لا صحيفة ولا مجلة».

دفع بيرم ثمن جرأته، خاصة بعد قصيدتيه «البامية الملوكي» و«القرع السلطاني»، ليصدر قرار بنفيه خارج البلاد. بدأت بذلك رحلة منفى قاسية استمرت قرابة 20 عامًا، تنقل خلالها بين تونس وفرنسا وسوريا ولبنان. عاش بيرم خلال تلك السنوات مرارة الغربة، وعمل في مهن شاقة، شملت مناجم الفحم والموانئ والمصانع والمكتبات، وأصيب بمرض في الرئة ظل يعاني منه حتى وفاته.

عبّر بيرم عن غربته القاسية في قصيدته الشهيرة:

الأوله مصر قالوا تونسي ونفوني

والتانية تونس وفيها الأهل جحدوني

والتالتة باريس وفي باريس جهلوني

على الرغم من كل المعاناة، لم ينقطع بيرم عن الكتابة، وظل يرسل أزجاله إلى الصحف المصرية. بدافع الحنين، قرر العودة إلى مصر متسللًا عبر ميناء بورسعيد، وعاش مختبئًا لفترة. لاحقًا، توسط له الفنان سليمان بك نجيب لدى الملك فاروق، ليصدر العفو عنه، مقابل كتابة زجل في مدح الملك، وهو ما فعله بيرم على مضض.

بعد صدور العفو، انطلقت مرحلة جديدة من الإبداع في حياة بيرم التونسي، حيث توافد عليه كبار المطربين والملحنين. أسهم بيرم بفاعلية في تطوير المسرح الغنائي، فكتب أوبريتات خالدة، من بينها «شهرزاد» التي لحنها سيد درويش، و«عزيزة ويونس» من ألحان زكريا أحمد، و«ليلة من ألف ليلة» للموسيقار أحمد صدقي، التي حققت أعلى إيرادات في تاريخ مسرح الدولة.

ارتبط اسمه كذلك ارتباطًا وثيقًا بالسيدة أم كلثوم، التي غنت له أكثر من 30 أغنية من روائع الطرب العربي، منها «شمس الأصيل»، «أنا في انتظارك»، «الحب كده»، و«القلب يعشق كل جميل»، التي صاغ فيها تجربة الحج بأرق وأصدق العبارات. امتد إبداعه ليشمل التعاون مع فريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، ومحمد فوزي، وليلى مراد، وغيرهم من عمالقة الفن.

في مجال السينما، كتب الحوار والأغاني لأكثر من 15 فيلمًا، من بينها «عنتر بن شداد»، «السوق السوداء»، و«يوم سعيد». أما للإذاعة، فقد قدم أعمالًا بارزة، من أشهرها مسلسل «سيرة الظاهر بيبرس»، بالإضافة إلى مئات الأغاني والمنولوجات والاسكتشات.

عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، أعلن بيرم تأييده لها، واعتبرها تحقيقًا لما نادى به طوال حياته من إصلاح ومقاومة للفساد. وفي عام 1960، منحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الأدب، وحصل أخيرًا على الجنسية المصرية، بعد سنوات طويلة حمل فيها هوية غير هوية الوطن الذي عاش له وباسمه.

في الخامس من يناير عام 1961، توفي بيرم التونسي عن عمر ناهز 68 عامًا، متأثرًا بمضاعفات مرض الربو. رحل «ملك الأغنية الشعبية» تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا وفنيًا ضخمًا، وُثق في 12 جزءًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

مقالات ذات صلة