فن

فيلم Nino: حينما يفرض السرطان منطقه على حياة شاب باريسي

من كان إلى الجونة.. 'Nino' دراما إنسانية عن صدمة المرض وفرصة الحياة الثانية في ثلاثة أيام

بعد عرضه الأول في قسم أسبوع النقاد بـمهرجان كان السينمائي، وصل فيلم Nino إلى مهرجان الجونة ليقدم للجمهور دراما إنسانية هادئة وعميقة. يتتبع الفيلم قصة شاب معاصر يجد نفسه فجأة في مواجهة حقيقة لم يخطط لها، مُجبرًا على إعادة ترتيب حياته في أعقاب تحدٍ وجودي يغير كل شيء.

يطرح العمل، وهو التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرجة الفرنسية بولين لوكيس، سؤالاً جوهرياً حول مسارات الحياة التي لا تسير دائماً وفقاً لأحلامنا. إنه يغوص في فكرة أننا نملك حياة واحدة فقط، وعلينا أن نعيشها بكامل تفاصيلها، حتى عندما تبدو الامتيازات التي نملكها عاجزة عن تحقيق السعادة أو الرخاء المنشود.

صدمة التشخيص

تبدأ الأحداث بإيقاع صادم ومباشر، حيث يتلقى نينو (28 عامًا)، الذي يجسده الممثل الكندي ثيودور بيليرين، تشخيصًا بإصابته بـسرطان الحلق. المفارقة تكمن في أن الطبيبة تفترض أنه على علم بالخبر بالفعل نتيجة خطأ إداري، مما يخلق مشهداً يمزج بين المأساة والكوميديا السوداء ببراعة، وهو الحس الذي يطغى على الفيلم بأكمله.

يجد نينو نفسه في سباق مع الزمن، فخلال ثلاثة أيام فقط عليه بدء جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي المكثف. لكن قبل ذلك، يواجه قرارًا مصيريًا آخر، وهو ضرورة تجميد حيواناته المنوية خلال عطلة نهاية الأسبوع، نظرًا لاحتمالية أن يسبب له العلاج العقم، وهو ما يضيف طبقة أخرى من الضغط على وضعه الهش.

أداء داخلي صامت

تكمن قوة الفيلم في الأداء الداخلي الذي يقدمه بيليرين، فوجهه الصامت يعكس صدمة حقيقية دون الحاجة إلى التعبير الصريح عن المشاعر. بينما تسترسل الطبيبة في طرح أسئلة طبية روتينية، يبدو نينو غارقًا في عالمه الخاص، مهتمًا فقط بفرص نجاته، وهو ما يجعل المشاهد شريكًا في حالة الارتباك واللامبالاة التي يعيشها.

تتعقد الأمور أكثر عندما يفقد نينو مفاتيح شقته، ليجد نفسه مضطرًا لقضاء الأيام الفاصلة في حياته متنقلاً. زيارته لوالدته (جين باليبار) تكشف عن صعوبة التواصل، فعندما يحاول إخبارها، تسأله بسخرية: “هل أنت في مرحلة تحول جنسي؟”، فيكتفي بالقول إنه مكتئب، مما يبرز عزلته وعجزه عن مشاركة ألمه.

باريس الحقيقية.. وشرارة أمل

يتجول نينو في شوارع باريس التي لا تشبه البطاقات البريدية، فالفيلم يقدم مدينة حقيقية، في حالة بناء وتغيير دائم، لا تكترث بمآسي أفرادها. هذا التصوير الواقعي للمدينة يخدم القصة، حيث يذكره صخبها المستمر بأنه مجرد فرد ضمن ملايين، وأن الحياة تستمر رغم كل شيء. إجباره على الخروج من عزلته بسبب فقدان المفاتيح يدفعه لمواجهة العالم الخارجي.

في خضم هذه الفوضى، يلتقي صدفة بصديقة قديمة من الثانوية، زوي (سالومي ديويلز)، وهي أم عزباء تتمتع بشخصية جديرة بالثقة. هذا اللقاء يشعل شرارة علاقة رومانسية ويفتح نافذة للأمل، ليتحول الفيلم تدريجيًا من قصة عن مواجهة الموت إلى احتفاء بالحب والصداقة واللطف في أبسط صوره.

تحليل إنساني للأزمة

إن اختيار المخرجة بولين لوكيس إطارًا زمنيًا قصيرًا ومكثفًا – ثلاثة أيام – ليس مجرد أداة درامية، بل هو استكشاف عميق للحظة الفاصلة بين معرفة الحقيقة وبدء المواجهة. هذه الفترة المعلقة تمثل فراغًا وجوديًا يتساءل فيه الإنسان عن كيفية عيش لحظة استثنائية بصفته شخصًا عاديًا. الفيلم لا يركز على المرض بحد ذاته، بل على أثره النفسي والاجتماعي على شخصية ترفض أن تسمح للمشاعر بالظهور.

القصة، المستوحاة من تجربة شخصية للمخرجة فقدت صديقًا بسبب السرطان، تكتسب صدقًا وحساسية لافتة. فـفيلم Nino يتجاوز كونه دراما إنسانية عن المرض ليصبح تأملاً في هشاشة العلاقات الإنسانية، وصعوبة التواصل الحقيقي حتى مع أقرب الناس، وكيف يمكن للحظات اللطف العابرة أن تعيد تشكيل نظرتنا للحياة بأكملها.

براعة التمثيل والإخراج

يعتمد فيلم Nino بشكل كبير على طاقم التمثيل، وفي مقدمتهم ثيودور بيليرين الذي نجح في تجسيد شخصية الرجل العادي بكل تناقضاته، آماله ومخاوفه، في أداء محكم ومقنع. كما برع الممثلون المساعدون في أدوارهم، من جين باليبار التي قدمت دور الأم بتركيبة فريدة من الحكمة واللامبالاة الظاهرية، إلى الظهور المفاجئ والمميز للنجم ماثيو أمالريك.

على المستوى الفني، أضاف التصوير السينمائي اليدوي والمونتاج المتقطع إحساسًا بالتوتر والواقعية، حيث تتناوب المشاهد السريعة التي تعكس محنة البطل مع لقطات أطول وأكثر هدوءًا تعبر عن لحظات سكينته. في النهاية، يقدم فيلم Nino تجربة سينمائية تتجاوز حبكتها القاتمة لتقدم شيئًا مميزًا عن معنى أن تكون حيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *