فن

فيلم “KPop Demon Hunters” يتألق في جولدن جلوب: مزيج فريد من الأساطير الكورية وموسيقى البوب

الفيلم يحصد جائزتين مرموقتين ويستلهم من الفلكلور الكوري لتقديم قصة عن القوة النسائية والاتصال

احتفى عشاق موسيقى البوب الكورية (K-pop) مؤخرًا بحصول فيلم الأنيميشن “KPop Demon Hunters” على جائزتين مرموقتين من جوائز جولدن جلوب لعام 2026. فقد توج الفيلم بجائزة أفضل فيلم رسوم متحركة، كما حصد جائزة أفضل أغنية أصلية عن أغنية “Golden” التي لاقت استحسانًا واسعًا.

يُعد فيلم الرسوم المتحركة هذا، من إنتاج شبكة نتفليكس، العمل الأول الذي يجمع نخبة من نجوم موسيقى البوب الكورية. الفيلم من إخراج ماجي كانج وكريس أبيلهانز، وشاركا في كتابة السيناريو مع دانيا خيمينيز وهانا ماكميتشان. ويتميز الفيلم بموسيقى تصويرية أصلية أبدعها عدد من الموسيقيين الكوريين، بالإضافة إلى لمسات موسيقية من تأليف الملحن البرازيلي مارسيلو زارفوس.

تستند قصة الفيلم إلى التراث الكوري الغني، حيث يمزج ببراعة بين حكايات الأساطير وعلم الشياطين وموسيقى البوب الكورية. تزخر هذه الحكايات بأشرس الوحوش وأكثر الأشباح رعبًا، ومن أبرزها الشياطين المائية الخضراء اللزجة التي تهاجم الفتيات في الحمامات العامة. هذه الشياطين مستوحاة من أشباح “مول جويشين” المائية، وهي أرواح بشرية غرقت وتطارد المسطحات المائية التي لقيت حتفها فيها، ومحكوم عليها بالبقاء في الماء إلى الأبد.

يقدم الفيلم عالمًا مليئًا بالتأثيرات الكورية العميقة وجوانب فريدة من الفلكلور الكوري، المستلهم من البوذية والكونفوشيوسية والشامانية الكورية. تشمل الشامانية جميع الطقوس القديمة التي كان يستخدمها الشامان لطرد الأرواح الشريرة وحماية مجتمعاتهم.

من المثير للاهتمام أن معظم الشامان كن من النساء، وكانت الشامانية تطرد الظلام بطرق شتى. من أبرز هذه الطرق طقوس “جوت” التي تتضمن ارتداء فرقة “المودانج” (فرقة موسيقية ترتدي ملابس رجالية تقليدية أثناء العرض) زيًا متقنًا، حيث تغني وترقص وتردد التعاويذ أمام جميع سكان القرية. وقد خلقت هذه السمة مشهدًا موسيقيًا جماهيريًا رائعًا ضمن أحداث الفيلم.

تظهر المرأة في فيلم “KPop Demon Hunters” بصورة مغايرة على المستويات البصرية والسردية والرمزية. فعلى عكس التصوير التقليدي للأنوثة السلبية السائد في الثقافة الشعبية الكورية، تبرز بطلات الفيلم كشخصيات فاعلة، مستقلة، ومتمكنة. يعبرن عن هوياتهن من خلال الأداء الجسدي، والصوت، والرقص، والعاطفة الجياشة.

يقدم الفيلم صورة متعددة الأوجه لأجساد النساء وعلاقاتهن وقدراتهن، حيث تتسم الهوية الأنثوية بالمرونة والتعبيرية، وتقاوم التعريفات المهيمنة والمقولات الجاهزة.

حاجز سحري ضد الشياطين

في الواقع، استلهمت ماجي كانج فكرة الفيلم من طقوس الشامانية الكورية، فمزجت طقوس الحفلات الموسيقية في كوريا القديمة مع موسيقى الكيبوب الحديثة، لتقدم فرقة فتيات تغني لإعادة شحن حاجز سحري يحمي من الشياطين.

أظهرت فرقة الفتيات مهارات قتالية عالية، واستخدمن أسلحة تتناسب مع أصواتهن الغنائية الساحرة، وكان لكل سلاح من الأسلحة الثلاثة دلالات روحية عميقة.

سكاكين “زوي” كانت بمثابة إشارة إلى سكين الأرواح المستخدمة في طقوس “الجوت”، والذي يُستخدم لطرد الأرواح الشريرة أثناء الرقص. تستخدم “زوي”، أصغر عضوة في المجموعة، أصغر سلاح، وكأنها تتحدى أي شخص يستهين بها.

أما “ميرا”، فجاء سلاحها ضخمًا، سيفًا عملاقًا، وهو أكبر سلاح في ترسانة الشامان. تتناسب قوته وجماله تمامًا مع شخصية “ميرا”. يرمز السيف إلى الانسجام بين السماء والأرض، وتكرر “ميرا” أن الفتيات لسن مجرد صديقاتها، بل عائلتها التي اختارتها. لذا، تقاتل “ميرا” بالسيف لتؤكد أنها وجدت مكانها الصحيح ووجدت الانسجام في داخلها.

سيف النمور الأربعة

ظهرت “رومي” بسيفها الطويل الكلاسيكي المعروف باسم “سيف النمور الأربعة”. تحتل النمور مكانة عظيمة في الثقافة الكورية، إذ يُعتقد أن أقوى سيف يُصنع عندما تتزامن سنة النمر، وشهر النمر، ويوم النمر، وساعة النمر، وهو حدث لا يتكرر سوى مرة واحدة كل ستين عامًا. يفسر ذلك امتلاك “رومي” لهذا السيف، بوصفه انعكاسًا لسعيها الدؤوب نحو الكمال.

تبدو شخصية “رومي” قريبة من أسطورة الأميرة المهجورة “باري”، فهي مثل “باري” تعاني مشكلات مع والديها، وهي نصف بشرية ونصف شيطانة. تحمل “رومي” في قلبها الكثير من الخجل إزاء هويتها وأصلها، إلى جانب المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقها لإتمام مهمة والدتها الراحلة في إنقاذ العالم.

وكما هو حال الأميرة “باري”، ترتبط “رومي” بالعالم السفلي، ما يجعل صراعها الداخلي أحد المحاور النفسية العميقة في الفيلم.

شياطين الفلكلور الكوري

استوحي تصميم شخصيات الفرقة الشيطانية من شخصية “جيوسونج ساجا”، حاصد الأرواح في الفلكلور الكوري، والذي يُشار إليه بوصفه “رسول العالم السفلي”. يُصور تقليديًا كإنسان طويل القامة، شاحب البشرة، يجوب الأرض مرتدياً سترة سوداء طويلة وقبعة كورية سوداء عريضة الحواف تُعرف باسم “جات”.

كانت قبعة “جات” تُرتدى قديمًا من قِبل النبلاء الكوريين، ما يمنح هذا الزي مكانة سلطوية تعكس دور “جيوسونج ساجا” في البحث عن أرواح الموتى.

يمتلئ “KPop Demon Hunters” بشخصيات شياطين تتميز بقرون وأنياب ووجوه زاهية الألوان، غالبًا ما تكون حمراء أو صفراء. وقد استوحي تصميم هذه الشياطين من الأقنعة الكورية التقليدية، والمرتبطة بأساطير “الدوكابي”، ومن هنا جاءت القرون والأنياب.

حسابات 400 عام

في “KPop Demon Hunters”، تظهر إشارات إلى الأشباح الكورية، وهي أرواح بشرية متوفاة لم تُنهِ أعمالها. تُسمى الروح البشرية التي لم تعبر إلى الحياة الآخرة “جويشين”، وتطارد هذه الأرواح البشر حتى تشفى جراحهم النفسية. لذا، “جينو” أقرب إلى “جويشين” الكوري العادي منه إلى “دوكابي”.

على عكس معظم الشياطين في الفيلم، يتذكر “جينو” حياته البشرية، بالإضافة إلى أن لديه حسابات لم تنتهِ منذ 400 عام. أما “الأشباح الجائعة” فهي كائن خالد لا يشبع من الجوع، ويتغذى على طاقة حياة المرضى أو المكتئبين.

ركز سيناريو فيلم “KPop Demon Hunters” على ثلاثة محاور رئيسية: أولها أن العالم ليس مجرد خير وشر، أو ملائكة وشياطين، والثانية لا تخجلوا من الاختلافات، والثالثة أن التهجين قوة لا ضعف. وأكد على الصراع الداخلي الذي قد نعيشه من خلال شخصية “رومي”، ورفضها إخفاء حقيقتها، مع ضرورة تفكيك الأنظمة الرمزية القمعية لكي تتمكن النساء من التعبير عن حياتهن بشكل كامل.

مجموعة غنائية نسائية

تبدو مغنيات الكيبوب في “KPop Demon Hunters” امتدادًا لسلالة موسيقية نسائية طويلة، بدءًا من فرقة “The Kim Sisters”، وهي مجموعة غنائية نسائية من كوريا الجنوبية بدأت مسيرتها المهنية في الولايات المتحدة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وصولًا إلى شخصيات “Hantrix” المستوحاة من فرقتي “BlackPink” و”Twice”.

قدمت “Hantrix” في الفيلم كطاردات للأرواح الشريرة، إذ شكلت أغانيهن حاجزًا واقيًا يمنع الأرواح الشريرة من الظهور.

تستمد فرقة “Hantrix” قوتها من محبي موسيقى الكيبوب، فكلما ازداد استمتاع الجمهور بالموسيقى والمحتوى، اقتربوا أكثر من إتمام “Honmoon”، الحاجز المتلألئ الذي يحجب الأرواح الشريرة تمامًا.

وإدراكًا لهذه الحقيقة، كثف أعضاء “Hantrix” نشاطهم حول العالم لإتمام “Honmoon” بالتزامن مع إصدار أغنية “Golden”. لكن صوت “رومي”، زعيمة الفرقة، يتلاشى فجأة، ويُنقش على رقبتها رمز الأرواح الشريرة، بالتزامن مع ظهور فرقة فتيان من الأرواح الشريرة تسرق المعجبين وتهدد مكانة “Hantrix”.

وقبيل اكتمال حفل “Honmoon”، يضع زعيم الأرواح الشريرة خطة لاختطاف معجبي “Hantrix” برفقة خمسة من الأرواح الشريرة. وبفضل موهبتهم الصوتية الاستثنائية، وحضورهم الطاغي على المسرح، وتفاعلهم المتقن مع الجمهور، يتمكنون من اختراق حاجز “Honmoon” بسرعة.

الحاجز المتلألئ الذي يحمي العالم من الشياطين لا يمكن أن يتشكل إلا عندما تتدفق الموسيقى بين الفرقة والجمهور. فالجمال والأمل يُصانان عبر الاتصال، والانضمام الجماعي هو ما يجعل الدرع كاملاً. وهكذا، لا تتعلق القصة فقط بطرد الشياطين، بل تعكس حاجة الإنسان العميقة إلى التواصل، حيث ينمو الأمل — مثل الانسجام — عندما نتقاسمه.

الأغاني في “K-Pop Demon Hunters” ليست مقحمة، بل هي جزء لا يتجزأ من سلالة ثقافية طويلة. وقد امتزجت بخطوط من الأزياء المستوحاة من عقود من الزمن. الفانتازيا في الفيلم جمعت بين المألوف والغريب، ولم تحاكِ هذا العالم الحقيقي، بل دارت أحداثها في زمنين مختلفين، بين العناصر الخيالية الساحرة والكائنات الخارقة للطبيعة، وحبكات الأساطير أو الحكايات الشعبية المعروفة، بممارسات غامضة، وشخصيات وأحداث خارقة للطبيعة مستوحاة من الفولكلور.

مقالات ذات صلة