فيلم “يونان”: رحلة الروح القلقة بين صمت البحر وصدى الحكايا
أمير فخر الدين وجورج خباز يقدمان تجربة سينمائية تأملية عن الاغتراب والبحث عن المعنى.

“يونان” يبدأ بمشهد لرجل يتنفس بصعوبة. يستخدم جهاز قياس كفاءة الرئة. يسحب الرجل نفسًا عميقًا ثم يطلقه. يبدو وكأنه يتوسل الهواء ليدخل صدره. المشهد يستمر، يكشف عن رجل يعوقه شيء ما عن ملء رئتيه بالحياة. هذا العائق ليس جسديًا. روحه القلقة تشتعل بالاغتراب والتيه. هو يغرق تحت ثقل العذاب الوجودي، يبحث عن معنى لحياته وغربته.
فيلم “يونان” عُرض لأول مرة بالشرق الأوسط. انضم الفيلم لمسابقة جوائز اليسر في الدورة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي (4-13 ديسمبر). هذا هو الفيلم الثاني للمخرج الجولاني الشاب أمير فخر الدين. يأتي بعد أربع سنوات من فيلمه الأول “الغريب”. الفيلمان جزء من ثلاثية أعلن عنها المخرج. تتناول الثلاثية أزمات الهوية والاغتراب والبحث عن الذات. هذه الأزمات تؤثر على أبناء جيله من اللاجئين والمهاجرين. يمكن الاطلاع على تفاصيل المهرجان وأفلامه المتنافسة هنا: مهرجان البحر الأحمر السينمائي.
اسم “يونان” يشير إلى نبي الله يونس. قصته وردت في الكتاب المقدس وسورتي يونس والأنبياء. يونس خرج غاضبًا من بلدته نينوى. ركب سفينة في البحر. البحارة ألقوه للتخلص من حمولة زائدة. حوت ابتلعه لثلاثة أيام. ثم لفظه الحوت على الشاطئ. شجرة يقطين نمت فوق جسده. أوراقها الكبيرة حمته من حرارة الشمس.
المخرج ربط بين قصة “يونان” وبطل فيلمه منير نور الدين. نلاحظ جناسًا موسيقيًا بين اسم المخرج أمير فخر الدين واسم البطل. اسم منير نور الدين يوحي باللمعان. هذا يتناقض مع حالة الانطفاء الروحي التي يعاني منها منير.
فيلم “يونان” يروي محاولة هروب فاشلة. قوى أكبر تتحكم في القدر والمصير. المحاولة تبدأ بالبحر وتنتهي في بطن حوت ضخم. عاصفة مرعبة تحيط به. هذا يشبه مسار هروب منير، الروائي المتعطل. منير يعيش في ألمانيا، لاجئًا أو مهاجرًا. قصة أمه القديمة تتردد في رأسه. كانت تهدهده بها وهو طفل. القصة عن راعٍ بلا فم أو عين أو أذن. لا أحد يعرف اسمه لأنه لم ينطق به قط.
منير يعاني من ضيق تنفس غير عضوي. خياله ينحسر عند بداية قصة طفولية. يريد أن يجعلها نواة لروايته. لا يعرف كيف يكملها. حياته متوقفة، مثل المدينة التي يعيش فيها. يقول لأخته: “لا شيء يتحرك في هذه المدينة سوى الغيوم”. يقرر ركوب البحر إلى شبه جزيرة منعزلة. هناك، يحاول اتخاذ قرار مصيري. هل يكمل روايته أم ينهي حياته؟
طرح البحر
السرد يتبع عين منير. نحن نرى ونسمع ونتخيل ما يراه. منير يرى نفسه داخل حكاية أمه، التي هي روايته. يجلس بشعر حليق. يراقب الراعي صاحب العين الواحدة والفم المغرق. الراعي يمسك كرات الصوف. امرأته الجميلة تغزلها. هي لا تعرف اسمه. عزلة الراعي تعكس عزلة منير. العيش مع زوجة لا تعرف اسمك هو قمة العزلة.
المخرج يقارن بين اغتراب الراعي ومنير. الراعي معزول عن الكلام والسمع والرؤيا مع امرأته. منير لا تتذكره أمه بسبب مرضها. الأم قد ترمز للوطن أو الأرض المنسية. هذا يكمل عزلة منير وشعوره بالاغتراب. الفيلم لا يظهر المدينة أو الطبيب الذي شخص حالة منير النفسية. وجه منير يظهر بمفرده تقريبًا في بداية الفيلم. ثم يبدأ الفصل الأول بركوبه السفينة نحو المنتجع.
منير يعتقد أن المكان الذي وصل إليه جزيرة. نحن نعتقد ذلك أيضًا. العجوز صاحبة النزل تخبره لاحقًا بالحقيقة. المكان ليس جزيرة. هي أراضٍ “طرح بحر”. هذه الأراضي تكونت من تراكم التربة والرمال عبر الزمن. البحر يسعى لاستعادتها دائمًا. تهددها الفيضانات كل عام. الماء يجتاح البيوت والمزارع والحانة الوحيدة.
“طرح البحر” يحمل دلالة مجازية للحوت. بعد العاصفة وانسحاب الماء، يرى منير حوتًا ضخمًا على الشاطئ. هذا في خياله. الحوت يظهر بدلاً من يونان نفسه. يبدو كأن الحوت ويونان تبادلا الأدوار. أو أن الحوت ضحى بنفسه لإنقاذ يونان.
أراضي “طرح البحر” معرضة للغمر بالماء. هذا يرمز للحوت في القصة التراثية. منير، مثل يونان، ينجو من الغرق. ربما تمسك بالعجوز وابنها وأهل القرية. ربما أدرك ضرورة الاندماج. نراه يأكل بشراهة من يد زوجة الراعي في مشهد تخيلي. كان قد امتنع عن الطعام منذ وصوله للقرية. يمد يده ليمسك يد الزوجة. كأنه يحثها على التجاوب، تاركة زوجها الصامت. الزوج الصامت هو تصور منير لذاته.
فيلم “يونان” ليس سهل الفهم. إيقاعه هادئ وبطيء جدًا. لقطاته طويلة وذات تكوينات جمالية. تستمر اللقطات حتى يتشبع المشاهد بها. تعكس هذه اللقطات حالة منير وأفكاره. الفيلم لا يسمح بالتأويل أو الاستيعاب من المشاهدة الأولى.
منير يقف في مشهد طويل وسط أبقار ضخمة. المشهد في فراغ القرية الأخضر على البحر. منير يحدق في الأبقار وهي تحدق فيه. المشهد يطول. نتساءل: هل يرى نفسه الراعي الذي يكتب عنه؟ هل الأبقار هنا بديل للأغنام؟ أم يتساءل عن مصيره؟ ماذا لو خُلق إنسانًا معذبًا مثله؟ وخُلقت بقرة ترعى بلا هدف سوى الأكل؟ دون أن تعلم أنها ستُذبح يومًا.
هذه الأفكار ليست اختراعًا. هي نتيجة لعرض حالة منير منذ وجوده في هامبورج. رأيناه يعاني من صعوبة في التنفس. لم يستطع ممارسة الجنس مع حبيبته الألمانية. نهض من فوقها مهزومًا، كظل يتلاشى. ارتدى ملابسه في الظلام. ستر عُريه الجسدي والروحي. غادر دون إجابة على سؤالها: “هل هناك امرأة أخرى؟”.
زوجة الراعي في الحكاية هي المرأة الأخرى التي يسعى إليها منير. هو يتأملها دائمًا عندما تراوده القصة. منير لا يعرف كيف يصل إليها. هو غريب يقتحم مشاهدها مع زوجها الصامت. الحكاية لا تتقدم خطوة واحدة. تبقى عند الوصف الأول الذي قدمته له أمه عن الراعي المغترب.
المخرج مهد لحالة منير بهذه التفاصيل. هذا يجعلنا نتوقف عند مشهد الأبقار الطويل. نفكر فيما يدور في رأس منير ويحيره.
جدلية البطء والطول
منير يغادر هامبورج. يذهب إلى نزل سيدة ألمانية. السيدة تفهم العربية. تشغيلها لدويتو لنجاح سلام وعبد النبي يوحي بوجود حبيب عربي سابق. لهذا فهمت منير عندما سب بالعربية في لقائهما الأول. الأحداث تتوالى بشكل خطي. منير يتجول في القرية. يجلس مع السيدة وابنها خلال العاصفة. يحاول الاندماج مع أهل القرية. يصارع الابن ويرقص في العشاء الجماعي. كل هذا يحدث دون قفزات زمنية للماضي أو المستقبل.
خط الزمن الخطي يقطعه زمن آخر. هذا الزمن اعتباري، غير محدد بالساعات أو الأيام. منير يدخل رأسه متخيلاً الراعي وزوجته وبيتهما. أمه تجلس في النهاية على كنبة البيت. تهدهد منير. تطلب منه التواضع روحيًا وذهنيًا. هذا يمكنه من الاستمرار في الحياة. عليها أن ينظر إلى نصف الكوب الملآن. الكوب السحري في الحكاية لم يمتلئ أبدًا ولم يفرغ. يوضع على نافذة بيت الراعي. هذا الكوب مجاز للحياة نفسها. الحياة لا تمتلئ تمامًا ولا تفرغ كليًا. منير، ونحن من خلاله، نتساءل أي النصفين يجب أن نرى.
الزمن الاعتباري أداة سردية شائعة في الدراما الشعرية والتأملية. هو زمن مجرد من الحساب. يأتي ويقفز إلى الزمن التقليدي. يكسره دون أن يكون ماضيًا أو مستقبلاً. إنه زمن الأحلام والرؤى والتخيلات والهواجس. قد يسبب ارتباكًا أحيانًا. يحمل تفاصيل فوق واقعية. يمثل اللاوعي المكشوف للشخصية. يفتح الباب لتأويل ارتباك الشخصية وضبابيتها.
الزمن الاعتباري يوقف انسياب الزمن الأصلي. هذا يحدث لصالح الأحلام والخيالات. يتطلب دقة في التعامل مع إيقاعه. المخرج هو المونتير، لذا هو المسؤول عن زمن الفيلم وإيقاعه. الإيقاع البطيء للفيلم ضروري للتأمل. يبث حالة شعرية ويشكل المجازات. لكن هذا لا يعني أن الفيلم ليس طويلاً.
يوجد فرق بين البطء والطول. الفيلم بطيء في إيقاع لقطاته. الأحداث تدور ببطء. الصراع داخلي وغير ظاهر. هذا يتطلب وقتًا أطول لكشفه وصياغة مجازاته. لكن هذا يختلف عن الطول السلبي. “يونان” فيلم بطيء وطويل. بطء الإيقاع يحسب له لأنه تأملي وشعري. طوله الزمني يحسب عليه.
الفيلم طويل، رغم جهده في تشكيل المجاز. استخدم الصورة والصمت والإيقاع وطبيعة الشخصية وقصة النبي الهارب. لكنه في الفصل الأخير يصاب بالثرثرة. المخرج ربما شعر أن حكاية منير/يونان غامضة جدًا. يقرر شرح أفكار وأزمات الشخصية. هذا يحدث على لسان الأم في رأس منير. اللقاء يتم داخل منزل الراعي المعزول. حوار مسرحي بين جورج خباز ونضال الأشقر (الأم). الأم تشرح لابنها سر أزمته ومعاناته. تقدم له حلاً كلاميًا: أن ينظر إلى نصف الكوب الملآن. هذا العرض الحواري أفسد زخم الشعر والمجاز في الفصول الأولى والثانية.
المخرج لم يكتفِ بنهاية شعرية. لقطة النافذة تظهر الراعي وزوجته. ينظران إلى منير وأمه بالداخل. منير استوعب الكثير. الراعي وزوجته يديران ظهرهما للبيت ويمضيان. كوب الحياة الأبدي يرمز لنصيحة الأم المباشرة. نخرج من الزمن الاعتباري. نعود للزمن الواقعي في انتكاسة بعد الذروة. منير يغادر النزل ويقص شعره. يدخل في مناجاة داخلية مع ذاته. تستدعي روح قصيدة درويش “تنسى كأن لم تكن”. أمير يؤكد على حالة الاغتراب والعزلة. يؤكد على فقدان بوصلة الذات. هذا هو أساس صراع البطل منذ البداية. المونولوج الداخلي الأخير مجرد تأكيد مبالغ فيه. يذكرنا بخوف المخرجين الجدد من عدم فهم الجمهور لأفكارهم.
الفيلم يطول هنا بالفعل. يطول لأنه لا يقدم جديدًا. لا يحقق ذروة مختلفة. لا يصبح شعريًا بمشهد الأم وواقعيًا بمناجاة منير. نفس الأفكار والمشاعر تتكرر. الكلمات المرسلة تشبه موضوع تعبير مدرسي. لا توازي الجهد الإبداعي البصري طوال الفيلم. لا ترقى لمبارزة شعرية أو استلهام قصيدة درويش الأسطورية.
جورج
أداء جورج خباز لشخصية منير يترك أثرًا كبيرًا. خباز ممثل لبناني مخضرم في الكوميديا والدراما الاجتماعية. هو ممثل متمرس. أمير فخر الدين يستحق الفضل في توجيهه. أخرج منه كمًا هائلاً من الانفعال الداخلي. الوجه والجسد ينطقان دون كلمات. عيونه التي كانت تمنح انطباعات طريفة تحولت. أصبحت ساحتين لشقاء الصمت والاغتراب. جسده بدا متكلسًا. أعضاؤه محشورة. قامته بدت أقصر من الطبيعي. كل هذا تحت وطأة الضغوط الداخلية.
من يعرف خباز كممثل كوميدي سينبهر بشخصية منير. من يعرفه في أدوار الدراما الاجتماعية سيدرك قدرته. لديه مخزن مشاعر سري. يمتلك مفاعلاً حسيًا. احتفظ بسنوات خبرته بكم هائل من الانفعالات. أمير فخر الدين عرف كيف يعيد إنتاج طاقة الأداء. أخرج منه أداءً مختلفًا وحميميًا وشعريًا.
خباز منافس قوي على جائزة أفضل ممثل. شخصية منير ستظل علامة في تاريخه. لا تشبهها أي من شخصياته السابقة. ستبقى في ذاكرة الجمهور.
منير، أو يونان، قد يكون “الغريب” من فيلم أمير فخر الأول. الفيلم قُدم قبل أربع سنوات. هو الغريب عندما يخرج من الجولان، مسقط رأس أمير. الرابط بين الفيلمين ليس فقط العزلة والاغتراب. يشمل أزمة الهوية الروحية. هناك فرضية: ماذا لو أن بطل “الغريب” ذهب مغاضبًا، مثل يونان في القصة الأصلية؟









