فن

فيلم هجرة السعودي: رحلة في صحراء الذاكرة تفوز بجائزة فينيسيا وتبحث عن صوتها

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في قلب صحراء السعودية الشاسعة، وعلى هامش رحلة حج، تبدأ حكاية اختفاء غامضة تتحول إلى ملحمة بصرية وإنسانية. فيلم هجرة للمخرجة شهد أمين لا يكتفي بسرد قصة بحث، بل يغوص في أعماق الذاكرة والتحولات الاجتماعية، ليحصد جائزة مرموقة في مهرجان فينيسيا ويثير جدلاً حول هوية السينما السعودية الجديدة.

من فينيسيا إلى صحراء نيوم.. بصمة إنتاجية عالمية

لم يكن وصول الفيلم لمنصة عالمية بحجم مهرجان فينيسيا مجرد صدفة، بل تتويج لجهد إنتاجي ضخم. حصد العمل في ختام المهرجان على جائزة نتباك (NETPAC) كأفضل فيلم آسيوي، وهو اعتراف دولي بلغة الفيلم السينمائية. يقف خلف هذا النجاح شراكة إنتاجية قوية جمعت فيصل بالطيور، والمخرج العراقي محمد الدراجي، والمنتج المصري المعروف محمد حفظي، بالتعاون مع فيلم العلا.

هذا الزخم الإنتاجي تعزز بدعم من مؤسسات كبرى مثل مسابقة “ضوء” التابعة لهيئة الأفلام، وصندوق البحر الأحمر، ومركز إثراء، ونيوم. امتد التصوير على مدار 58 يومًا في تضاريس سعودية خلابة ومتنوعة شملت المدينة المنورة وتبوك والعلا وجدة ونيوم، مما منح الفيلم هوية بصرية فريدة تعكس ثراء المكان.

حين يصبح الغياب هو البطل الحقيقي

تبدأ الحكاية ببساطة مخادعة في عام 2001، زمن كانت له ملامحه الخاصة. الجدة “ستي” (خيرية نظمي) تصطحب حفيدتيها في رحلة حج: جنى (الطفلة لمار فادن) ذات الاثني عشر ربيعًا، وسارة الشابة ذات الثمانية عشر عامًا. في استراحة عابرة، تختفي سارة فجأة، ليتمزق نسيج العائلة الهادئ وتتحول الرحلة الروحانية إلى مطاردة يائسة عبر طرق صحراوية قاسية ومدن نائية.

غياب سارة ليس مجرد حدث درامي، بل هو ثغرة تنفتح على صراع أعمق بين جيل الجدة الغارق في تقاليده ومخاوفه، وجيل الأبناء الذي يبحث عن مساحة أوسع للاختيار والحرية. سارة تغيب عن الشاشة، لكن حضورها يظل ضاغطًا، فهي المحرك الخفي لكل ما سيأتي بعدها.

ثلاثة على الطريق.. صراع الذاكرة والتمرد

على هذا الطريق الطويل، تتجسد الأفكار السائدة في تلك الحقبة عبر الشخصيات الثلاث الرئيسية. الجدة “ستي” تمثل الذاكرة الثقيلة، فهي تحاول التماسك بصرامة تخفي خلفها خوفًا عميقًا من الفقدان والعار. وفي لحظات الصفاء، تسرد لحفيدتها تاريخ العائلة وأسرار النجوم، كأنها تحاول تثبيت جذورها في عالم يتغير بسرعة.

أما “جنى”، فهي عين الكاميرا وقلب الحكاية. نراها تنتقل من براءة الطفولة إلى وعي مبكر وقاسٍ، نظراتها المليئة بالأسئلة وصمتها المعبر يحكيان أكثر من أي حوار. بينما تظل “سارة” الغائبة رمزًا للتمرد الذي لم يُسمح به، للطريق الذي لا نعرف وجهته، وللحرية التي قد يكون ثمنها الاختفاء.

“ابن الفوضى”.. حين يكشف الهامش عن وجه إنساني

في قلب هذه الرحلة النسائية، يظهر السائق “أحمد” (نواف الظفيري) كعنصر دخيل يقلب الموازين. في البداية، يبدو كشخصية منفرة، محتال يبيع ماءً مغشوشًا للحجاج، ويتعامل مع الجدة وحفيدتها بجلافة، بل ويتركهما في منتصف الطريق بلا رحمة. هو “ابن الفوضى” الذي يعيش على الهامش، بلا أوراق رسمية ومطلوب للعدالة.

لكن المخرجة شهد أمين تعيد صياغة هذه الشخصية النمطية. يعود “أحمد” ليكشف عن وجه إنساني غير متوقع، فتنشأ بينه وبين الطفلة “جنى” علاقة ود حذرة، علاقة مبنية على الطرافة والأغنيات الإنجليزية ولعبة الكلمات. هذا التحول يجعله شخصية رمادية معقدة، تثبت أن الخير قد ينبع من أكثر الأماكن فوضوية.

الطريق والصحراء.. لغة بصرية تحكي ما يعجز عنه الحوار

لم يكن الطريق في الفيلم مجرد ممر، بل تحول إلى قوة درامية موازية. الصحراء الممتدة بلا نهاية ليست مجرد خلفية جميلة، بل هي انعكاس للفراغ العاطفي الذي تركه غياب سارة. قسوة الطقس والبرد القارس يصبحان تجسيدًا لقسوة الواقع الذي تواجهه الجدة وحفيدتها. الإيقاع البطيء والمُتعمَد يغمر المشاهد في حالة من الانتظار والتأمل، ليصبح ثقل الزمن النفسي جزءًا من التجربة.

نهاية تفتح أبواب التأويل.. هل وُلد زمن جديد؟

بعد رحلة طويلة غاصت في الواقعية القاسية، يفاجئ الفيلم جمهوره بخاتمة تنحرف نحو الواقعية السحرية. المشهد الأخير، الخالي من التوتر والمفعم بالسكينة، يقدم صورة رمزية مفتوحة على مصراعيها، تاركًا الباب مشرعًا أمام تأويلات لا حصر لها. هل هي ولادة لزمن جديد تتخلى فيه الجدة عن عبء الماضي؟ أم هي إشارة لقدرة الجيل الجديد على مواجهة مصيره بلا خوف؟

بدلاً من إغلاق القصة، قامت الخاتمة بتوسيعها نحو فضاء رمزي أرحب، تاركة المشاهد محاطًا بالأسئلة. يمكن قراءة “هجرة” على مستويات متعددة:

  • قراءة اجتماعية: عن التحولات العميقة في المجتمع السعودي.
  • قراءة نفسية: عن الخوف والفقد والبحث عن الهوية.
  • قراءة جندرية: عن حضور المرأة كقوة محركة للسرد والتمرد.
  • قراءة وجودية: عن رحلة الإنسان وعبوره من طور إلى آخر.

في النهاية، يظهر “هجرة” كمرآة لمرحلة مهمة تمر بها السينما السعودية. فيلم يمتلك كل الأدوات العالمية من حيث الصورة والإنتاج، لكنه لا يزال يبحث عن صوته السردي الخاص. إنه عمل يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الأجوبة، ويتركنا أمام رحلة مفتوحة على كل الاحتمالات، تمامًا مثل الطريق الذي لا نهاية واضحة له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *