اقتصاد

فقاعة الذكاء الاصطناعي: إنفاق تاريخي وأرباح على المحك

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي التي تجتاح العالم، يتردد صدى سؤال مقلق يذكرنا بأيام التسعينيات: هل نحن على أعتاب فقاعة مضاربات جديدة، شبيهة بتلك التي عصفت بعالم الإنترنت وأدت إلى انهيار مدوٍ؟ فبينما تضخ شركات التكنولوجيا مليارات لا حصر لها، تتعالى الأصوات المحذرة من أن هذا السباق المحموم قد ينتهي بخسائر فادحة.

تتسابق عمالقة التكنولوجيا في إنفاق مئات المليارات من الدولارات على الرقائق فائقة التطور ومراكز البيانات العملاقة. الهدف ليس فقط تلبية الطلب المتزايد على روبوتات الدردشة مثل “ChatGPT” و”Gemini”، بل الاستعداد لثورة اقتصادية قد تسلم فيها الآلات زمام الأمور من البشر، في فاتورة قد تصل تكلفتها النهائية إلى تريليونات الدولارات.

سباق التريليونات: أرقام تتحدى الخيال

الأرقام المتداولة في عالم استثمارات التكنولوجيا تبدو أقرب إلى الخيال. فعندما كشف سام ألتمان، العقل المدبر وراء شركة “أوبن إيه آي”، عن خطة لمشروع بنية تحتية بقيمة 500 مليار دولار، أثار الرقم دهشة الجميع. لكن سرعان ما لحق به مارك زوكربيرغ، مؤسس “ميتا”، متعهداً بإنفاق مئات المليارات، ليرفع ألتمان سقف التوقعات مجدداً، معلناً أن شركته قد تنفق “تريليونات” في نهاية المطاف.

لتمويل هذه الطموحات غير المسبوقة، تلجأ الشركات إلى ترتيبات مالية غير تقليدية أثارت حيرة “وول ستريت”. على سبيل المثال، أعلنت شركة “إنفيديا”، عملاق صناعة الرقائق، عن استثمار يصل إلى 100 مليار دولار في بناء مراكز بيانات لـ”أوبن إيه آي”، في خطوة يراها البعض محاولة لدعم عملائها لضمان استمرارهم في شراء منتجاتها باهظة الثمن، مما يخلق نظاماً بيئياً قد يكون هشاً.

من أين تأتي الأموال؟

لا يقتصر الأمر على رأس المال الجريء، بل امتد ليشمل الديون بشكل متزايد. لجأت “ميتا” إلى البنوك لتمويل مجمع بيانات ضخم في لويزيانا، بينما تقود بنوك كبرى قروضاً تتجاوز 22 مليار دولار لشركات أخرى. حتى “أوبن إيه آي”، التي لا تملك تاريخاً ربحياً طويلاً كـ”مايكروسوفت”، تدرس اللجوء إلى تمويل الديون، رغم توقعات باستهلاكها سيولة بنحو 115 مليار دولار حتى عام 2029.

العائد المنتظر: هل الأرباح تبرر الإنفاق؟

هنا يكمن جوهر المعضلة. فوفقاً لتقرير شركة “بين آند كو”، ستحتاج شركات الذكاء الاصطناعي لتحقيق إيرادات سنوية مجمعة بقيمة تريليوني دولار بحلول 2030 لتمويل هذا الإنفاق، لكن التوقعات تشير إلى عجز قد يصل إلى 800 مليار دولار. وهو ما دفع ديفيد إينهورن، مدير صندوق التحوط البارز، للتحذير من “تدمير ضخم لرأس المال خلال هذه الدورة”.

تتفاقم المخاوف مع ظهور دراسات تشكك في العائد الفعلي للتكنولوجيا. باحثون من “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” وجدوا أن 95% من المؤسسات لم تحقق أي عائد من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. والأخطر من ذلك، هو ما كشفه باحثون من “هارفارد” و”ستانفورد” عن ظاهرة “العمل الزائف”، حيث يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى يبدو جيداً لكنه يفتقر إلى القيمة الحقيقية، مما يكلف الشركات الملايين من الإنتاجية المفقودة.

هل يعيد التاريخ نفسه؟ شبح فقاعة الإنترنت

المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان أصداء فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات. التوسع الهائل في البنية التحتية، التقييمات الفلكية لشركات لم تحقق ربحاً بعد، والمنافسة الشرسة بين المستثمرين على تمويل أي شركة ناشئة تحمل لافتة “الذكاء الاصطناعي”، كلها أوجه تشابه لا يمكن تجاهلها.

يقول بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة “أوبن إيه آي”: “أعتقد أن هناك أوجه شبه كبيرة مع فقاعة الإنترنت”. ويضيف أن العديد من الشركات الحالية ستنهار حتماً، لكن شركات عملاقة جديدة ستولد من رحم هذه الفوضى، تماماً كما بزغ نجم “أمازون” و”جوجل” بعد انهيار عام 2001.

تشابهات واختلافات جوهرية

رغم التشابهات، هناك فارق جوهري. الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي اليوم، مثل “مايكروسوفت” و”جوجل” و”ميتا”، هي مؤسسات عملاقة ذات تدفقات نقدية هائلة وأعمال راسخة، على عكس الشركات الناشئة التي قادت موجة الإنترنت. كما أن تبني التكنولوجيا يسير بوتيرة غير مسبوقة، حيث يستخدم “تشات جي بي تي” مئات الملايين أسبوعياً، مما يشير إلى وجود طلب حقيقي.

حتى أبرز المؤيدين يعترفون بوجود “تقييم مبالغ فيه”. سام ألتمان نفسه أقر بأن المستثمرين يشعرون بحماسة مفرطة، لكنه يصر على أن الذكاء الاصطناعي هو “أهم ما حدث منذ زمن طويل”. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن نشهد بناء أسس اقتصاد المستقبل، أم نعيش في قلب فقاعة الذكاء الاصطناعي التي ينتظر الجميع انفجارها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *