فحوصات الدماغ تكشف صلة مقلقة بين التوحد وخطر الباركنسون
علامات مبكرة لـ'الشلل الرعاش' قد تظهر قبل عقود لدى شباب التوحد

فحوصات دماغية حديثة تلقي ضوءاً جديداً على صلة محتملة ومقلقة بين اضطراب طيف التوحد وارتفاع خطر الإصابة بمرض الباركنسون (الشلل الرعاش) في مراحل لاحقة من العمر. تشير الدراسة إلى أن الأمر قد يتعلق بدور جزيئات دقيقة تُعرف بـ”نواقل الدوبامين”، تعمل على تنظيم هذه المادة الكيميائية المهمة في المخ. هذا التطور البحثي يثير تساؤلات جدية حول الرعاية الصحية طويلة الأمد للمصابين بالتوحد، خاصة في بلدان مثل مصر حيث تتزايد أعداد التشخيصات وتحديات متابعة الحالات.
الدوبامين هو ناقل عصبي حيوي يتحكم في حركة الجسم، ويدير وظائف التفكير العليا، وله دور في تعزيز السلوك. يعرف الأطباء أن مرض الباركنسون ينجم عن نقص حاد في مستويات الدوبامين. كما ربطت دراسات سابقة بين اضطراب التوحد وخلل في نقل هذه المادة الكيميائية داخل المخ، وهي ملاحظة تستدعي التدقيق.
انطلاقاً من هذه الخلفية، اتبع فريق بحثي من جامعة ميسوري الأمريكية منهجاً جديداً. استخدم الباحثون تقنية فحص متخصصة للدماغ تُسمى “دايت سبيكت” (DaT SPECT)، والتي تُستخدم عادة لتشخيص الباركنسون لدى كبار السن. هذا الاستخدام لتقنية مخصصة للمسنين على الشباب يشكل نقطة تحول.
يقول ديفيد بيفيرسدورف، طبيب الأعصاب والباحث الرئيسي من جامعة ميسوري: “أبحاث سابقة ركزت على إجمالي كمية الدوبامين في أدمغة المصابين بالتوحد. لكننا اتخذنا مساراً مختلفاً، بحثنا عن أي خلل في طريقة معالجة الدوبامين في جزء محدد من الدماغ يُدعى ‘العقد القاعدية’ عبر نواقل الدوبامين”. هذا التغيير في زاوية البحث قد يفتح آفاقاً جديدة، أو يعقد الصورة أكثر.
صور للدماغ تظهر مناطق الفحص المتعلقة بإشارات الدوبامين في حالات التوحد.
فحص الباحثون أدمغة اثني عشر شاباً مصاباً بالتوحد، تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً. كشفت الفحوصات عن سلوك غير طبيعي لنواقل الدوبامين لدى اثنين منهم، مع وجود “احتمال لخلل” لدى اثنين آخرين. لم تظهر النواقل أي تشوهات أو عدم تماثل منتظم كما كان متوقعاً، وهي نتيجة تحتاج إلى تفسير دقيق.
لكن الدراسة لم ترصد أي تراجع ملحوظ في ترابط مناطق الدماغ بين الشباب الذين أظهروا خللاً في نواقل الدوبامين وبقية المجموعة. بل على العكس، لوحظ ارتفاع في الترابط الوظيفي بين بعض مناطق الدماغ لدى من لم تعمل نواقل الدوبامين لديهم بالشكل الطبيعي تماماً. هذا التناقض يستدعي الانتباه.
حتى الآن، لا يزال الغموض يلف دلالة هذه التغيرات في وظيفة نواقل الدوبامين وانتشارها داخل الدماغ. اختبارات إضافية لم تكشف عن فروق واضحة في معدلات الذكاء أو السلوكيات التكرارية بين من رصدت فحوصاتهم خللاً ومن لم ترصد. هذا الغياب للارتباط المباشر يزيد التعقيد.
من السابق لأوانه الجزم بأن هذه التشوهات في نقل الدوبامين تعني حتماً تطور مرض الباركنسون لدى هؤلاء الأفراد. لكن الدراسة تبرز حقيقة مهمة: عامل رئيسي مرتبط بالمرض قد يظهر قبل عقود من ظهور أعراض الباركنسون الفعلية. إنها إشارة تحذير مبكرة للغاية.
يوضح بيفيرسدورف أن “فقدان نواقل الدوبامين يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً لمرض الباركنسون. لم يفكر أحد من قبل في فحصها ضمن سياق الشباب المصابين بالتوحد. نأمل أن يساعد هذا البحث في استكشاف ما إذا كانت هناك صلة محتملة للمستقبل”. هذا اعتراف بمسار بحثي جديد كلياً.
تتجه جهود علمية مكثفة نحو الكشف المبكر عن الأمراض العصبية التنكسية مثل الباركنسون والزهايمر. الهدف هو تطوير فحوصات أبسط وأسرع وأكثر دقة لتحديد هذه الحالات في مراحلها الأولى. ذلك سيوفر الكثير من الجهد والمال في بلدان تعاني من محدودية الموارد الطبية، مثل العديد من الدول العربية.
الكشف المبكر يعني إمكانية بدء العلاجات الوقائية أو التدابير اللازمة للمرضى الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر. كما يتيح للباحثين دراسة كيفية بدء هذه الأمراض وتطورها، مما يمهد الطريق لابتكار علاجات جديدة. إنها خطوة حاسمة نحو فهم أعمق.
بعد نجاح تجربة فحوصات “دايت سبيكت” على الشباب، يتطلع الباحثون لتطبيقها على مجموعات أكبر من المتطوعين. هذا سيوفر بيانات أضخم وأكثر شمولاً للتحليل، ويؤكد أهمية تكرار التجارب.
يختتم بيفيرسدورف حديثه قائلاً: “رغم أن الوقت مبكر للاستنتاجات النهائية، نأمل أن يرفع عملنا الوعي بضرورة مراقبة صحة دماغ الشباب المصابين بالتوحد مع تقدمهم في العمر”. ويضيف: “كلما تمكنا من تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالباركنسون مبكراً، تمكنا من مناقشة التدابير الوقائية، بما في ذلك إمكانية استخدام أدوية معينة لإبطاء تطور المرض”. هذا نداء واضح لليقظة والعمل.









