غزة ومستقبل ما بعد الحرب: مشروع أمريكي يثير الجدل

واشنطن تطرح "قوة استقرار" في غزة، فهل هي خطة للسلام أم لشرعنة الاحتلال؟ مخاوف مصرية وفلسطينية تتصاعد.

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

غزة ومستقبل ما بعد الحرب: مشروع أمريكي يثير الجدل

في أروقة السياسة الدولية، يُطبخ مستقبل قطاع غزة على نار هادئة، لكنها حارقة. تقود الولايات المتحدة جهودًا حثيثة لتشكيل ما أسمته “قوة استقرار دولية”، وهي خطوة تبدو في ظاهرها سعيًا للأمن، لكنها في باطنها تثير عاصفة من الجدل والمخاوف، خاصةً لدى الطرفين الفلسطيني والمصري اللذين يبدوان وكأنهما آخر من يُستشار في الأمر.

قوة تنفيذية

المصطلحات هنا ليست بريئة أبدًا. فالمسؤولون الأمريكيون يصرون على أن هذه القوة ستكون “تنفيذية” وليست مجرد قوة لحفظ السلام، وهو فارق جوهري يكشف عن نية فرض واقع جديد بالقوة. مشروع القرار الأمريكي، الذي يرى كثيرون أنه كُتب بأصابع إسرائيلية، يُطرح الآن على طاولة مجلس الأمن كأساس لمفاوضات يُنتظر أن تكون شاقة، بهدف نشر أولى القوات بحلول يناير المقبل. إنه سباق مع الزمن لرسم خريطة جديدة للمنطقة.

اعتراضات إقليمية

لم يأتِ التحرك الأمريكي في فراغ، بل قوبل بتحفظات واضحة. فبينما يؤكد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن تشكيل القوة “قريب جدًا”، أعلنت دول مثل أذربيجان رفضها المشاركة طالما استمر العدوان الإسرائيلي. هذا الموقف يعكس شرخًا في الإجماع الدولي الذي تسعى واشنطن لبنائه، ويُظهر أن المهمة لن تكون سهلة كما يتصور البعض. فالثقة في النوايا الأمريكية والإسرائيلية تبدو في أدنى مستوياتها.

ما وراء الخطة؟

بحسب محللين، فإن الهدف الحقيقي يتجاوز مجرد حفظ الأمن. فالحديث عن ربط عمل القوة بـ”نزع السلاح في غزة”، كما أشار المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، يكشف عن الأجندة الخفية التي تهدف إلى تفكيك المقاومة الفلسطينية. وفي خضم هذا الجدل، تبدو تصريحات ترامب بأن “الأمور في القطاع تسير على ما يرام” بعيدة كل البعد عن الواقع المأساوي، وكأنها محاولة لتسويق رواية لا يصدقها إلا من صنعها.

ورقة المساعدات

أحد أخطر التحولات هو قرار واشنطن تولي الإشراف المباشر على إدخال المساعدات، متجاوزة الدور المصري التاريخي. الذريعة هي تسريع وتيرة الإغاثة، لكن يرى مراقبون في هذه الخطوة محاولة لسحب ورقة معبر رفح من يد القاهرة، وإعادة ترتيب الأدوار الأمنية والسياسية على الحدود. إنها ليست مجرد شاحنات مساعدات، بل هي سيادة ونفوذ يتم إعادة رسمهما.

في النهاية، يقف مشروع القرار الأمريكي كعلامة فارقة في الصراع. فهو لا يهدف فقط إلى إدارة الوضع في غزة، بل إلى إعادة هندسة مستقبلها بالكامل عبر “مجلس سلام” برئاسة أمريكية وحكومة تكنوقراط فلسطينية معينة. هذه الرؤية، التي تستمر حتى عام 2027، تتجاهل بشكل كامل إرادة الفلسطينيين وتُقصي اللاعبين الإقليميين الأساسيين، مما ينذر بأن أي استقرار قادم سيكون هشًا ومبنيًا على فرض الأمر الواقع، لا على سلام حقيقي وعادل.

Exit mobile version