غاري ترودو: عندما رسم رسام كاريكاتير متحفظ خريطة أمريكا السياسية
سيرة 'دونسبيري' الأولى تستكشف الرجل الهادئ وراء التأثير الصاخب

لم يكن ‘دونسبيري’ مجرد شريط رسوم هزلية. بين عامي 1970 و2014، تحول عمل غاري ترودو إلى بوصلة سياسية لملايين الأمريكيين. كان مرآة تعكس التحولات الجذرية في بلادهم، وصوتاً لا يمكن تجاهله. الرئيس جيرالد فورد أقر عام 1975 بقوته، قائلاً: ‘ثلاثة مصادر رئيسية تبقينا على اطلاع بما يدور في واشنطن: الإعلام الإلكتروني، المطبوع، و’دونسبيري’ — ليس بالضرورة بهذا الترتيب’.
خلف هذا التأثير المدوي، بقي ترودو نفسه شخصية متحفظة. يفضل الاختباء عن الأضواء، تاركاً قلمه يتحدث. الآن، يقدم الصحفي جوشوا كندال أول سيرة ذاتية موسعة له: ‘ترودو ودونسبيري: رسام الكاريكاتير الذي حوّل الأخبار إلى فن’. الكتاب يعتمد على الأرشيف ومقابلات مع سياسيين طالتهم سهام نقده، يكشف الستار عن رجل ظل لغزاً.
من طفل ‘ديكتاتور صغير’ يدير المسرحيات بصرامة في ساراناك ليك، إلى طالب بجامعة ييل عام 1970، واجه ترودو حرب فيتنام. كان التجنيد الإجباري شبحاً يطارد رفاقه. إصابة في الجهاز الهضمي العلوي أنقذته من القتال. تلك التجربة شكلت وعيه.
في ييل، بدأت ملامح ‘دونسبيري’ تتشكل عبر شريطه الأول ‘حكايات بول’ بصحيفة الجامعة عام 1968. ترودو، الذي وصفه محرره حينها بـ’شوفيني ذكوري تقليدي’، تغيرت رؤيته للحياة. لقاءه بآني هيرلبوت، إحدى أوائل الطالبات بجامعة ييل عام 1969، كان نقطة تحول. وصفت عمله أولاً بأنه ‘هراء جنسي’. لكن علاقتهما حولته إلى نسوي مدى الحياة. ‘دونسبيري’ انطلق عام 1970 في 28 صحيفة، وقدم شخصيات نسائية قوية مثل جوان كوس عام 1972، تجسيداً لحرية جديدة.
عام 1975، حصد ‘دونسبيري’ جائزة بوليتزر، كأول شريط رسوم كاريكاتير يحقق هذا الإنجاز. وحدها ‘بلوم كاونتي’ لبيركلي بريثيد نالت الشرف ذاته عام 1987. هذا التقدير لم يأتِ من فراغ. ترودو استقطب القراء عبر تركيزه على ‘الواقع الخارجي العبثي الذي يحيط بنا’، بدلاً من ‘الحياة الداخلية المؤلمة’ التي ركز عليها تشارلز شولتز في ‘الفول السوداني’. لقد لامس حياة جيل ‘البيبي بومرز’ اليومية الغريبة والمربكة.
بحلول القرن الجديد، كان ‘دونسبيري’ ينشر في 1400 صحيفة. لم يقتصر إبداع ترودو على الورق. شارك في ابتكار مسلسل ‘ألفا هاوس’ الكوميدي لأمازون (2013-2014) بطولة جون غودمان. غودمان وصفه بـ’نازي السيناريو’، لأنه ‘يحمي كل نقطة وفاصلة’. الدكتاتور الصغير الذي بدأ في ساراناك ليك، ظل يعمل بدقة لا تلين، محافظاً على روحه الفنية المتحفظة لكن المؤثرة.









