عودة شبح التضخم.. كيف يختبر رفع أسعار الوقود السياسة النقدية في مصر؟
بعد 4 أشهر من التراجع، يعود مؤشر التضخم في مصر للارتفاع مدفوعًا بقرار زيادة أسعار المحروقات، ما يضع البنك المركزي أمام تحديات جديدة.

في تطور يضع السياسات الاقتصادية المصرية تحت المجهر مجددًا، عاد معدل التضخم السنوي في مدن مصر إلى مسار الصعود خلال شهر أكتوبر، مسجلاً 12.5%، وذلك لأول مرة منذ أربعة أشهر من التباطؤ المستمر. ويأتي هذا الارتفاع، مقارنة بـ 11.7% في سبتمبر، كصدى مباشر لقرار الحكومة الأخير برفع أسعار الوقود، مما يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقرار الأسعار في المدى المنظور.
قرار حكومي بتبعات مباشرة
لم يكن صعود مؤشر الأسعار مفاجئًا للمراقبين، حيث جاء عقب إقرار زيادة في أسعار المحروقات بنسب وصلت إلى 13%، وهي الزيادة الثانية خلال العام الجاري. وشمل القرار رفع سعر لتر بنزين 95 إلى 21 جنيهًا، والسولار إلى 17.5 جنيه، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها ضرورية لترشيد الدعم ومواكبة الأسعار العالمية، وتعهدت بتثبيت الأسعار الجديدة لمدة عام على الأقل. هذا القرار يعكس موازنة دقيقة تحاول الحكومة تحقيقها بين تخفيف العبء عن الموازنة العامة واحتواء آثاره التضخمية المباشرة على تكاليف النقل والإنتاج.
البنك المركزي في مواجهة معضلة
يضع هذا التسارع في التضخم البنك المركزي المصري أمام معضلة حقيقية. فبعد أن اتخذ مسارًا تيسيريًا جريئًا بخفض أسعار الفائدة أربع مرات متتالية هذا العام، يجد نفسه الآن في موقف يتطلب الحذر. فمواصلة خفض الفائدة قد تغذي الضغوط التضخمية، بينما التوقف عن ذلك قد يبطئ وتيرة النمو الاقتصادي الذي تسعى إليه البلاد. ويرى محللون أن لجنة السياسة النقدية قد تتجه إلى التريث في اجتماعها المقبل لتقييم الأثر الكامل لزيادة أسعار الوقود على الأسواق.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور أيمن زهران، في تصريح لـ”نيل نيوز”، إن “البيانات الأخيرة تمثل اختبارًا لمدى مرونة السياسة النقدية. فالبنك المركزي نجح في كبح جماح التضخم بعد حزمة الإنقاذ المالي، لكن التحدي الآن هو التعامل مع الصدمات السعرية الداخلية دون التضحية بمكتسبات النمو”. ويضيف أن سعر الفائدة الحقيقي، الذي لا يزال عند مستوى مرتفع نسبيًا (8.5%)، يمنح المركزي مساحة للمناورة.
نظرة مستقبلية متفائلة بحذر
على الرغم من الانتكاسة المؤقتة في أكتوبر، لا تزال التوقعات طويلة الأجل تشير إلى مسار نزولي للتضخم. فقد عدّل البنك المركزي بالفعل توقعاته لمتوسط التضخم في 2025 إلى نحو 14%، مع استهداف الوصول إلى نطاق بين 5% و9% بحلول نهاية 2026. وتستند هذه النظرة المتفائلة إلى استقرار سعر الصرف وتأثيرات حزمة الإنقاذ المالي الموقعة مع صندوق النقد الدولي، والتي ساهمت في تعزيز الثقة بالاقتصاد المصري.
وفي المحصلة، يبدو أن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة انتقالية دقيقة. فبينما تشير المؤشرات الكلية إلى تحسن تدريجي، تظل القرارات المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية، مثل تحرير أسعار الطاقة، ذات تأثير مباشر على حياة المواطنين ومؤشر الأسعار. ويبقى الرهان على قدرة صانعي السياسات على تحقيق توازن صعب بين استكمال الإصلاحات الضرورية وحماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.









