فن

عودة أليس في بلاد الحدود: إبهار بصري يخفي حبكة مرتبكة وشخصيات باهتة

بعد انتظار دام ثلاث سنوات، عاد أبطال طوكيو المهجورة ليخوضوا جولة جديدة من ألعاب الموت. لكن هل عاد معهم ذلك البريق الذي خطف الأبصار والقلوب في زمن العزلة العالمية؟ يطل علينا الموسم الثالث من مسلسل أليس في بلاد الحدود عبر منصة نتفليكس، محملاً بإبهار بصري لا تخطئه عين، ولكنه يخفي خلفه أسئلة مقلقة حول جدوى استمرار سلسلة وصلت بالفعل إلى نهاية منطقية ومؤثرة.

ظاهرة ولدت في قلب العاصفة

لا يمكن الحديث عن “أليس في بلاد الحدود” دون العودة إلى ديسمبر 2020، حينما كان العالم يئن تحت وطأة جائحة “كوفيد-19”. في ذلك التوقيت، ظهر المسلسل كظاهرة عالمية، مقدماً تجربة مشاهدة فريدة. العمل المقتبس عن سلسلة “مانجا” شهيرة للكاتب هارو آسو، لم يكن مجرد مسلسل آخر عن مسلسلات الألعاب، بل كان استكشافاً عميقاً لغريزة البقاء على قيد الحياة، ومعنى الأمل في مواجهة اليأس المطلق.

معركة البقاء أم صراع الطبقات؟

غالباً ما يُقارن المسلسل بالعملاق الكوري “لعبة الحبار” (Squid Game)، لكن المقارنة تظل سطحية. فبينما بنى الأخير عالمه على أساس الصراع الطبقي والجشع المادي، غاصت الدراما اليابانية في أعماق النفس البشرية. الدافع في “لعبة الحبار” هو المال، أما في “أرض الحدود” فهو أغلى ما يملكه الإنسان: دقائق إضافية على قيد الحياة. هنا لا تدور اللعبة حول من هو الأكثر جشعاً، بل من هو الأكثر تمسكاً بالأمل والإنسانية في وجه الموت المحقق.

شخصيات “أليس” مكتوبة بعناية فائقة، نتعلق بها، نحزن لموتها، ونشعر بانتصارها. من آريسو الذكي الضائع إلى أوساجي المتسلقة القوية، كل شخصية لها ماضٍ يبرر حاضرها، مما يمنحها مصداقية فنية تفتقر إليها شخصيات “لعبة الحبار” التي تبدو في معظمها مجرد أدوات لخدمة فكرة سياسية واقتصادية.

الموسم الثالث: عودة قسرية تفتقر للمنطق

من شاهد نهاية الموسم الثاني، يعلم أن كل ما حدث كان مجرد هلوسات جماعية لضحايا نيزك ضرب طوكيو، وأنهم كانوا يعيشون تجربة “الموت الوشيك”. كانت نهاية مقفلة وشاعرية. لكن الموسم الثالث يصر على العودة إلى هذا العالم، بحبكة تبدو مرتبكة وساذجة. فكرة أن يختار الأبطال العودة طواعية إلى هذا الجحيم عبر حقنة توقف قلوبهم، مدفوعين بفضول علمي أو ملل شخصية شريرة، هي فكرة تفتقر إلى الإقناع وتضرب مصداقية العمل في مقتل.

شخصيات باهتة وألعاب معقدة

على عكس الموسمين الأولين اللذين قدما شخصيات لا تُنسى، تأتي معظم الشخصيات الجديدة في هذا الموسم مسطحة وببعد واحد، مما يجعل من الصعب على المشاهد التعاطف معها. ولتعويض هذا الضعف الدرامي، يلجأ صناع العمل إلى المبالغة في تعقيد الألعاب ودمويتها، لدرجة أن المشاهد قد يفقد تركيزه في متابعة قواعدها المعقدة، ليتحول الأمر من صراع نفسي ذكي إلى مجرد استعراض للمؤثرات البصرية والمشاهد الصادمة.

العمل يجهد نفسه أيضاً في تقديم تبريرات شبه علمية لما يحدث، بالتركيز على “الفص الصنوبري” في المخ، وهي فكرة قديمة تناولها أدبياً الدكتور مصطفى محمود في رواية “العنكبوت”. هذا التوجه أفقد المسلسل سحره الغامض الذي كان يكمن في عدم الحاجة إلى التفسير.

بريق لم ينطفئ بالكامل

رغم كل هذه الانتقادات، لا يمكن إنكار أن مشاهدة الموسم الثالث تظل تجربة ممتعة بصرياً. الإخراج لا يزال مبهراً، ومشاهد الأكشن مصممة بإتقان. كما يضيف الموسم أبعاداً جديدة مثيرة للاهتمام، كالإشارة إلى طبيعة الشعب الياباني وقدرته على النهوض من الكوارث، والنظرة الأنثروبولوجية للألعاب كطقوس مقدسة تعكس دورة الحياة والموت. هذه الأفكار العميقة، وقيم التضحية والتضامن، هي ما تبقي على بصيص من روح العمل الأصلية.

في النهاية، يظل “أليس في بلاد الحدود 3” مسلسلاً ممتعاً لمن يبحث عن التشويق والإبهار، ولكنه قد يخيب آمال من أحبوا العمل لعمقه الفلسفي وشخصياته المركبة. إنه مثال حي على التحدي الذي يواجه الأعمال الناجحة: متى يجب أن تتوقف القصة، ومتى يصبح الاستمرار مجرد محاولة لاستنساخ نجاح قد ولى؟

الكلمات المفتاحية:

  • أليس في بلاد الحدود
  • الموسم الثالث
  • نتفليكس
  • مسلسلات الألعاب
  • الدراما اليابانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *