عملة بريكس الموحدة: بوتين يكبح الطموحات بواقعية اقتصادية
تحليل لأبعاد تصريح الرئيس الروسي الذي يربط مستقبل العملة الموحدة بتجنب أخطاء اليورو، ويسلط الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجه التكتل الاقتصادي.

يمثل تكتل “بريكس” الموسع الآن ما يقرب من 37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالقوة الشرائية، وهي نسبة تتجاوز حصة مجموعة السبع (G7)؛ هذا التحول في الثقل الاقتصادي العالمي هو المحرك الأساسي خلف النقاشات المتصاعدة حول إنشاء عملة موحدة لكسر هيمنة الدولار. إلا أن تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخير، الذي أكد فيه عدم وجود خطة حالية لمثل هذه العملة، يعيد ضبط التوقعات ويفرض العودة إلى أرض الواقع الاقتصادي المعقد، بعيدًا عن الشعارات السياسية.
براغماتية اقتصادية أم تراجع سياسي؟
إن موقف بوتين لا يعبر عن تراجع سياسي بقدر ما يعكس فهمًا عميقًا للتحديات الهيكلية التي تجعل من مشروع العملة الموحدة مغامرة محفوفة بالمخاطر في الوقت الراهن. فالتكتل يضم اقتصادات متباينة بشكل جذري، من النموذج الصيني القائم على التصدير والتحكم الحكومي، إلى الاقتصاد الهندي المعتمد على الخدمات والسوق المفتوحة، مرورًا بروسيا التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على صادرات الطاقة. هذا التباين الهائل في هياكل الإنتاج والسياسات النقدية والمالية يجعل من تبني سياسة نقدية موحدة أمرًا شبه مستحيل، لأنه سيخدم مصالح بعض الدول على حساب أخرى، مما يهدد التكتل بالانهيار قبل أن يبدأ فعليًا. هل يمكن تخيل بنك مركزي واحد يضع أسعار فائدة تناسب كلاً من الصين التي تحارب الانكماش والهند التي تواجه ضغوطًا تضخمية؟
دروس منطقة اليورو القاسية
الإشارة إلى تجربة منطقة اليورو لم تكن عابرة، بل هي جوهر التحليل. لقد استغرق الاتحاد الأوروبي عقودًا من التكامل السياسي والاقتصادي، وتوحيد المعايير، وإنشاء سوق مشتركة قبل إطلاق اليورو، ورغم ذلك، كشفت أزمة الديون السيادية عام 2009 عن عيوب هيكلية قاتلة. دول مثل اليونان والبرتغال فقدت قدرتها على تخفيض قيمة عملتها لتعزيز القدرة التنافسية، مما أدخلها في دوامة من التقشف والركود فرضتها القوى الاقتصادية الأكبر في الاتحاد، وعلى رأسها ألمانيا. بوتين يدرك أن تطبيق نموذج مماثل على تكتل “بريكس” الأقل تكاملاً سياسيًا واقتصاديًا سيكون بمثابة وصفة لكارثة اقتصادية، حيث ستصبح الدول ذات الاقتصادات الأضعف رهينة للسياسات التي تضعها القوى المهيمنة مثل الصين.
المسار البديل: تعزيز العملات المحلية
بدلاً من القفز نحو عملة موحدة، يكمن المسار الأكثر واقعية الذي تتبعه دول “بريكس” بالفعل في تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية والاستثمارات. هذه الاستراتيجية تقلل من الاعتماد على الدولار بشكل تدريجي وتحد من التعرض لتقلبات السياسة النقدية الأمريكية. يلعب بنك التنمية الجديد (NDB)، الذي أسسته المجموعة، دورًا محوريًا في هذه العملية عبر تقديم قروض بالعملات المحلية، وهو ما يشير إليه [تقرير البنك السنوي](https://www.ndb.int/reports/annual-reports/) كأحد أهدافه الاستراتيجية. هذا النهج البطيء والمدروس يبني الثقة بين الأعضاء ويؤسس لنظام مالي متعدد الأقطاب دون المخاطرة بزعزعة استقرار اقتصاداتهم الداخلية. إنها معركة طويلة الأمد تُخاض على جبهة البنية التحتية المالية، وليس عبر إعلانات سياسية كبرى. فالهدف ليس عملة واحدة، بل عالم به عملات متعددة قوية.









