الأخبار

صناعة الغزل والنسيج العالمية تتجه نحو 1.6 تريليون دولار بحلول 2033.. ومصر تسعى لاستعادة الريادة

تحليل حكومي يكشف آفاق نمو قطاع المنسوجات عالمياً ومحلياً وجهود القاهرة لتعزيز الإنتاج والصادرات

صحفي ومحرر أخبار في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة التطورات المحلية

كشف تحليل صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري عن آفاق صناعة الغزل والنسيج، مشيراً إلى أنها من أقدم وأهم الصناعات التحويلية عالمياً، وتشكل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والصناعية في دول عديدة. لعبت هذه الصناعة دوراً محورياً في الثورة الصناعية الأولى، ولا تزال اليوم من أكبر القطاعات المولدة لفرص العمل، خصوصاً في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

تتميز صناعة الغزل والنسيج بسلاسل إنتاجية ممتدة، تبدأ من زراعة الأقطان وإنتاج الألياف، مروراً بمراحل الغزل والنسيج والصباغة والتجهيز، وصولاً إلى صناعة الملابس الجاهزة والتصدير. هذا التكامل يجعلها صناعة ذات تأثير اقتصادي واسع، وقادرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية بفضل كثافتها العمالية وقابليتها للتحديث التكنولوجي، فضلاً عن مساهمتها الكبيرة في التجارة العالمية.

قدرت سوق المنسوجات العالمية بنحو 1.11 تريليون دولار في عام 2024، ومن المرتقب أن تبلغ 1.61 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2033، مسجلة معدل نمو سنوي مركب قدره 4.2% بين عامي 2025 و2033. ويعزى هذا النمو في الطلب إلى عوامل مثل انتشار “الموضة السريعة”، وزيادة التحضر، وارتفاع الدخل القابل للإنفاق في الاقتصادات الناشئة. كما تتجه تفضيلات المستهلكين نحو الملابس العصرية والمريحة ومنخفضة التكلفة، مما يعزز الطلب على تجارة الملابس بالتجزئة.

بلغ عدد العاملين في قطاع المنسوجات والملابس والجلود والمنتجات ذات الصلة نحو 99.5 مليون عامل في عام 2023، ارتفاعاً من 90.5 مليون عامل في عام 2020. وسجلت قيمة صادرات القطاع عالمياً نحو 897.1 مليار دولار في عام 2024، فيما بلغت الواردات 793.3 مليار دولار خلال العام ذاته.

شكلت المنسوجات والملابس نحو 3.7% من صادرات السلع العالمية في عام 2022. وتتركز عمليات إنتاج المنسوجات في قارة آسيا، التي تستحوذ على نحو 70.6% من الصادرات العالمية في عام 2022، صعوداً من 59.4% في عام 2017. تليها أوروبا بنسبة 21.1% من الصادرات العالمية في عام 2022، بانخفاض طفيف عن 22.9% المسجلة في عام 2017.

وعلى صعيد خيوط النسيج، بلغت الصادرات العالمية نحو 41.8 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بـ 50.2 مليار دولار في عام 2023. وتصدرت الصين قائمة مصدري خيوط النسيج بقيمة تقارب 15.1 مليار دولار في عام 2024، تلتها الهند بنحو 5.2 مليارات دولار. وفي المقابل، كانت الصين أكبر مستورد لخيوط النسيج بقيمة 5.4 مليارات دولار، وجاءت الولايات المتحدة في المركز الثاني بقيمة 2.4 مليار دولار.

في مصر، يمثل قطاع الغزل والنسيج مكوناً رئيسياً لصناعة المنسوجات والملابس، حيث يضم نحو 11 ألف مصنع. بلغت قيمة صادراته 1.1 مليار دولار في عام 2023، ما يعادل 27.4% من إجمالي صادرات قطاع المنسوجات والملابس، بينما سجلت وارداته 3 مليارات دولار في العام نفسه. ويُنتظر أن يبلغ ناتج قطاع المنسوجات نحو 3.07 مليارات دولار في عام 2025.

كما يُرجح أن يشهد القطاع نمواً ملحوظاً بمعدل نمو سنوي مركب قدره 2.87% خلال الفترة من 2025 إلى 2029. وتتصدر صناعة الملابس الجاهزة الأنشطة داخل قطاع المنسوجات والملابس، مستحوذة على نحو 70% من حجم الصناعة وتوفر 20% من فرص العمل، وتضم 3169 مصنعاً. بلغت صادراتها 2.4 مليار دولار في عام 2023.

يُشكل قطاع المفروشات المنزلية عنصراً مهماً ضمن الصناعة المصرية، ويضم 853 مصنعاً. بلغت صادراته 542 مليون دولار في عام 2023، بنسبة 13.3% من إجمالي صادرات المنسوجات والملابس، بينما سجلت وارداته 35 مليون دولار فقط، مما يعكس قوة الإنتاج المحلي في هذا النشاط مقارنة ببقية مكونات القطاع. وبلغت واردات مصر من خيوط النسيج نحو 1.4 مليار دولار في عام 2024، مما يبرز الاعتماد على المواد الخام لتشغيل الصناعة المحلية.

وبالنسبة للقطن، زادت صادرات مصر من القطن للموسم الزراعي 2022/ 2023 بنسبة 36.5%، حيث بلغ إجمالي الكمية المصدرة 1.5 مليون قنطار متري حتى أغسطس/سبتمبر 2023، مقارنة بـ 1.1 مليون قنطار متري في أغسطس/سبتمبر 2022. وتعد الهند أكبر مستورد للقطن المصري، بكمية بلغت 715 ألف قنطار متري، تمثل 48.9% من إجمالي الكمية المصدرة في الموسم الزراعي 2022/ 2023.

تعد التجارب الدولية في قطاع الغزل والنسيج مرجعاً مهماً لتطوير صناعة قوية ومنافسة عالمياً. وتبرز دول مثل تركيا والصين والهند كأمثلة رائدة، حيث نجحت في بناء سلاسل إنتاج متكاملة، وتعزيز الابتكار، ورفع جودة منتجاتها، مما وضعها في مقدمة الدول المؤثرة في هذا القطاع.

استعرض التحليل أبرز السياسات والإصلاحات من واقع التجارب الدولية:

الصين:

سجلت الصين صادرات من المنسوجات بقيمة 299 مليار دولار في عام 2024. كانت الوجهات الرئيسية لصادرات المنسوجات الصينية في 2024 هي: الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 49.4 مليار دولار، وفيتنام بنحو 19.1 مليار دولار، واليابان بنحو 15.4 مليار دولار، وكوريا الجنوبية بنحو 9.55 مليارات دولار، وبنجلاديش بنحو 9.22 مليارات دولار. وبلغ إجمالي صادرات الصين من المنسوجات المنزلية 32.74 مليار دولار خلال عام 2023. تعزى هذه الطفرة إلى عدة سياسات وإصلاحات، منها:

  • إصدار مجلس الصين الوطني للمنسوجات والملابس خطة عمل لبناء صناعة نسيج حديثة، تهدف إلى تعزيز التطوير الراقي والذكي والأخضر والمتكامل، وبناء نظام صناعي حديث يتسم بالكفاءة والتقدم والأمان. بدأ المجلس في نوفمبر 2022 إعداد المخطط التنفيذي لبناء نظام صناعة نسيج حديث (2022 – 2035)، والذي أُطلق رسمياً في 27 أغسطس 2023.
  • تشجيع المناطق الصناعية الخاصة (SEZs): توسعت الصين في إنشاء تجمعات صناعية خاصة بالمنسوجات لتقليل التكلفة وتحسين سلاسل الإمداد.
  • تكليف لجنة الإشراف على الأصول المملوكة للدولة (SASAC) بإدارة وإعادة هيكلة الأصول الحكومية، خاصة في قطاع المنسوجات.
  • تحويل مجلس صناعة المنسوجات الوطنية (CNTIC) إلى هيئة غير حكومية لتوجيه الصناعة وتقديم خدمات استشارية.

الهند:

شهدت الهند أكبر زيادة في محتوى القيمة المضافة الأجنبية من صادرات منتجات المنسوجات والملابس، بنحو 23.2% بين عامي 2017 و2022. من أبرز السياسات والإصلاحات التي قامت بها الهند:

  • إطلاق برنامج تحديث التكنولوجيا في صناعة النسيج (TUFS)، الذي قدم تمويلاً مدعوماً للمصانع التي تستثمر في شراء آلات حديثة أو تطوير خطوط الإنتاج. ساعد هذا البرنامج آلاف المصانع على تحديث عملياتها، مما أسهم في خفض التكاليف وزيادة الإنتاجية.
  • إطلاق وثيقة استراتيجية بعنوان (India 2047 – Vision and strategic roadmap for technical textiles)، توضح رؤية الهند لتطوير المنسوجات التقنية للأجيال القادمة.
  • إصدار مسودة برنامج الحوافز الإنتاجية (PLI) للملابس والمنسوجات المنزلية في أكتوبر 2022، بهدف تقديم حوافز لتصنيعها وجذب الاستثمارات وتقليل الاعتماد على الواردات في قطاع مستلزمات وإكسسوارات المنسوجات.
  • إطلاق برنامج (SIAM) لدعم رواد الأعمال في مجال تصنيع الملابس الجاهزة، من خلال توفير مساحات عمل متكاملة مجهزة بنظام جاهز للتشغيل، مما يقلل التكاليف التشغيلية والمالية للمشروعات الجديدة. يوفر البرنامج أيضاً بيئة ريادية قائمة على الروابط الصناعية والتجارية لتسهيل دخول الشركات الناشئة إلى السوق والتواصل مع سلاسل التوريد والمصنعين.

تركيا:

حققت تركيا ارتفاعاً في القيمة المضافة لصادراتها من المنسوجات والملابس بنسبة 10.9% بين عامي 2017 و2022، مما يعكس تعزيز قدرتها الإنتاجية وقوتها العاملة الماهرة. أسهمت اتفاقية الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، منذ دخولها حيز النفاذ عام 1995، في تبسيط التجارة وخفض تكاليفها، وتحسين القدرة التنافسية للمنسوجات والملابس التركية في سوق الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح أكبر وجهة لصادرات تركيا. من أبرز السياسات والإصلاحات التي قامت بها تركيا:

  • الاهتمام بقطاع المنسوجات التقنية، الذي يشهد نمواً متزايداً في تركيا، حيث حققت العديد من الشركات العاملة في هذا المجال نجاحاً في الأسواق العالمية. يتزايد تصنيع المنسوجات التقنية وتتنوع المنتجات المصنعة فيها، بما يتماشى مع التطورات العالمية، ومنها منسوجات السيارات، ومنسوجات الصرف الصحي/مستحضرات التجميل/النظافة، ومنسوجات التعبئة والتغليف.
  • إنشاء مراكز لإنتاج المنسوجات، مثل مركز “تكستيل كنت” (Tekstilkent) في إسطنبول، الذي أُسس لحل مشكلات البنية التحتية، وصعوبات النقل والشحن، والتطور غير المنتظم، ونقص الأمن في مواقع مختلفة، خاصة في أسواق سلطانهمام وأثمانباي التي تضم تجارة الجملة للمنسوجات ووحدات الإنتاج الصغيرة.
  • التسهيلات والحوافز الحكومية، فمثلاً، منحت وزارة الصناعة والتكنولوجيا التركية، في 19 يونيو 2023، شركة “أرسان تكستيل” (Arsan Tekstil) إعفاءً جمركياً على وارداتها من الآلات والمعدات، خاصة لإنتاج الغزل.

يُعد النهوض بقطاع الغزل والنسيج أولوية استراتيجية للدولة المصرية، بهدف تعزيز القدرة الإنتاجية، وزيادة القيمة المضافة، ودعم الصادرات. وقد تمثلت أبرز جهود الدولة في هذا القطاع في التالي:

  • المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج: يهدف إلى تعظيم القيمة المضافة للقطن المصري، واستعادة الريادة العالمية لمصر في هذه الصناعة، وتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية. يتم ذلك من خلال تحديث شامل للبنية التحتية والمصانع والماكينات، وإدخال أحدث التقنيات العالمية بالتعاون مع القطاع الخاص، ورفع كفاءة العمالة عبر التدريب المستمر، مما يضمن زيادة الطاقة الإنتاجية وفتح آفاق جديدة لتصدير منتجات عالية الجودة. وقد أدى هذا إلى زيادات مستمرة في إجمالي كميات الغزل المنتجة والمباعة، فمثلاً، ارتفعت كمية الإنتاج بشركة مصر للغزل والنسيج من 117 طناً في عام 2022/2023 إلى 3373 طناً في 2023/2024، ثم إلى 6288 طناً في 2024/2025.
  • منظومة تداول الأقطان الجديدة: تم استحداث منظومة جديدة لتداول الأقطان بالتعاون بين وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والتجارة والصناعة آنذاك. طبقت تجريبياً في عدد من المحافظات خلال عامي 2019 و2020، قبل تعميمها على مستوى الجمهورية في موسم 2021.
  • إنشاء مصنع غزل (1) الجديد: وقعت الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس في يوليو 2021 عقد إنشاء مصنع غزل (1) الجديد بشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى. يُعد هذا المصنع الأكبر على مستوى العالم، بمساحة نحو 62500 متر مربع، ويستوعب أكثر من 182 ألف مردن غزل، بمتوسط طاقة إنتاجية 30 طناً يومياً، وتنفذه شركة جاما للإنشاءات.

تتضمن الاستراتيجيات المقترحة لتطوير صناعة الغزل والنسيج زيادة إنتاج القطن لتمكين إنشاء مصانع غزل جديدة، وتعزيز إنتاج الغزل محلياً لتلبية احتياجات مصانع النسيج وتوسيع فرص التصدير، مع تبني سياسات لحماية المنتج المحلي. كما تشمل تطوير البنية التحتية الداعمة للقطاع، والربط بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، وتحديد الصناعات المكملة والوسيطة اللازمة لهذا القطاع وتحفيز الاستثمار فيها ضمن مناطق صناعية محددة لتعزيز التصنيع المحلي والتكامل الإنتاجي. يتطلب الأمر أيضاً توفير الدعم المناسب للصناعات النسيجية على مستوى الخامات والطاقة والإنتاج، وإطلاق مشروع قومي لتصنيع الآلات والمعدات الخاصة بالقطاع، وتعزيز استخدام التكنولوجيا الحديثة. إضافة إلى ذلك، يجب الاهتمام برفع الإنتاجية في إنتاج الغزول والخيوط النسيجية، وتطوير برامج تدريب متخصصة لتأهيل عمالة ماهرة قادرة على التعامل مع المعدات والتقنيات المتقدمة.

يظل قطاع الغزل والنسيج إحدى أهم الدعائم الصناعية للاقتصاد، ليس فقط لدوره الإنتاجي، بل لأبعاده التنموية والاجتماعية وقدرته على خلق فرص عمل. وقد أبرزت التحولات العالمية في سلاسل الإمداد أهمية التصنيع المحلي، مؤكدة أن الاستثمار في هذا القطاع ضرورة لدعم الأمن الصناعي وتعزيز القدرة التنافسية للدولة. إن مواكبة التطورات التكنولوجية، وتبني سياسات تشجع الابتكار، والارتقاء بجودة المنتجات، إلى جانب تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، تمثل خطوات محورية لضمان قطاع غزل ونسيج قوي ومستدام قادر على مواجهة التحديات العالمية ودعم الصناعة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *