فن

صناعة الأفلام السعودية: تقرير 2024 يرسم ملامح القوة الناعمة الجديدة في المملكة

في خطوة ترسم ملامح مشهد ثقافي واقتصادي جديد، كشفت هيئة الأفلام السعودية عن تقريرها السنوي الأول، الذي لا يوثق بالأرقام طفرة صناعة الأفلام السعودية فحسب، بل يقدم شهادة ميلاد لقوة ناعمة وليدة تتأهب للمنافسة العالمية. التقرير هو أكثر من مجرد أرقام؛ إنه حكاية تحول وطن، حيث أصبح الفن السابع محركًا رئيسيًا في قلب رؤية السعودية 2030.

شهادة ميلاد لصناعة واعدة

لم يعد الحلم السينمائي في المملكة مجرد ومضات إبداعية متفرقة، بل تحول إلى منظومة متكاملة. هذا ما يؤكده التقرير السنوي الأول لـهيئة الأفلام السعودية، والذي جاء ليضع النقاط على الحروف، موثقًا بالأدلة رحلة بدأت قبل سنوات قليلة لتصبح اليوم واقعًا ملموسًا. فمنذ عودة دور العرض في 2018، انطلقت المملكة في سباق مع الزمن لبناء بنية تحتية وتشريعية تليق بطموحاتها.

في مقدمة التقرير، وضع وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، إطارًا استراتيجيًا واضحًا، مؤكدًا أن السينما السعودية لم تعد مجرد فن، بل أصبحت رافدًا اقتصاديًا يخلق الفرص ويروي قصص المملكة للعالم. ومن جانبه، شدد عبدالله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أن هذا التقرير هو التوثيق الرسمي الأول لمسيرة الصناعة، معلنًا أن المملكة “تتقدم بخطى واثقة لتصبح مركزًا إقليميًا لصناعة الأفلام”.

شباك التذاكر.. أرقام تتحدث عن نفسها

بلغة الأرقام، حافظت السوق السعودية على صدارتها كأكبر سوق سينمائية في الشرق الأوسط، بإيرادات بلغت 845.6 مليون ريال سعودي في 2024، نتجت عن بيع 17.52 مليون تذكرة. ورغم الانخفاض الطفيف عن العام الماضي، إلا أن المؤشرات تؤكد نضج السوق، خاصة مع انخفاض متوسط سعر التذكرة بنسبة 28% منذ عام 2020، وهو ما ساهم في توسيع قاعدة الجمهور وجعل السينما تجربة متاحة للجميع.

وتصدرت منطقة الرياض المشهد بإيرادات قاربت 391 مليون ريال، بينما استحوذت الأفلام الأمريكية على 61% من السوق. اللافت للنظر هو الحضور القوي للسينما المصرية بنسبة 25%، مما يعكس عمق الروابط الثقافية، فيما حققت الأفلام السعودية نسبة 7%، وهي نسبة تبدو متواضعة لكنها تحمل دلالات نمو متصاعد وثقة جماهيرية متزايدة في المنتج المحلي.

الإنتاج المحلي يفرض كلمته

لم يعد الفيلم السعودي ضيفًا خجولًا على شاشاته، بل أصبح منافسًا قويًا. تصدر فيلم “مندوب الليل” قائمة الإيرادات المحلية بـ 28.68 مليون ريال، تلاه “شباب البومب” بـ 26.6 مليون ريال. هذا النجاح يؤكد أن الحكاية السعودية باتت تجد صداها لدى جمهورها، وهو ما انعكس أيضًا على الساحة الدولية بوصول فيلم “نورة” إلى مسابقة “نظرة ما” في مهرجان كان السينمائي، كأول فيلم سعودي يشارك رسميًا في هذا المحفل العالمي الكبير.

محرك اقتصادي: استثمارات وحوافز غير مسبوقة

وراء هذا الحراك الإبداعي، تقف منظومة دعم مالي ضخمة. كشف تقرير صناعة الأفلام 2024 أن حجم الإنفاق الإنتاجي داخل المملكة تجاوز 1.08 مليار ريال، وهو رقم لم يكن ليتحقق لولا برامج الدعم الطموحة التي أطلقتها الهيئة. هذه البرامج لم تعد تقتصر على دعم المشاريع المحلية، بل أصبحت عامل جذب للإنتاجات العالمية الضخمة.

  • برنامج ضوء: أصبح الحاضنة الرئيسية للأفلام السعودية المستقلة والطويلة.
  • برنامج رداد المالي: يقدم حافز استرداد نقدي يصل إلى 40%، مما جعل السعودية وجهة تصوير تنافسية عالميًا.
  • دعم المؤسسات: مبادرات من جهات مثل نيوم، العلا، إثراء، وصندوق التنمية الثقافي، خلقت شبكة تمويل متكاملة.

هذه السياسات الذكية لم تجذب فقط الأموال، بل جلبت معها الخبرات العالمية، وساهمت في تطوير البنية التحتية، حيث تمتلك المملكة اليوم 17 استوديو إنتاج وأكثر من 65 شركة إنتاج محلية، مع مشاريع عملاقة قادمة مثل “HegasX Studios” في الرياض.

بناء الإنسان قبل المكان

تدرك المملكة أن الصناعة الحقيقية تقوم على سواعد أبنائها. لذلك، أولت هيئة الأفلام اهتمامًا استثنائيًا بتأهيل الكوادر الوطنية، حيث شارك أكثر من 4700 شاب وشابة في برامج تدريبية متخصصة خلال عام واحد فقط. برامج مثل “صنّاع الأفلام” و”كادر” و”فيلماثون” لا تهدف فقط إلى تعليم الحرفة، بل إلى بناء جيل جديد من المبدعين القادرين على قيادة مستقبل السينما السعودية.

هذا الاستثمار في المواهب السعودية أثمر سريعًا، حيث حصدت الأفلام السعودية 50 جائزة محلية ودولية خلال العام. وفي موازاة ذلك، تعمل الهيئة على حفظ الذاكرة السينمائية عبر الأرشيف الوطني للأفلام، الذي يضم الآن أكثر من 68 ألف مادة أرشيفية، لتوثيق الماضي وإلهام المستقبل.

حصاد عام من الإنجاز

يختتم التقرير فصوله بلغة الأرقام التي تلخص قصة نجاح ملهمة، وتؤكد أن صناعة السينما في المملكة لم تعد مجرد مشروع، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه بقوة على الخريطة الإقليمية والعالمية.

  • إيرادات شباك التذاكر: 845.6 مليون ريال.
  • تذاكر مباعة: 17.52 مليون تذكرة.
  • الإنفاق الإنتاجي: 1.08 مليار ريال.
  • المشاريع المدعومة: 57 مشروعًا محليًا ودوليًا.
  • الجوائز: 50 جائزة محلية ودولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *