فن

صرخة جعفر بناهي السينمائية.. فيلم «مجرد حادث» بين السعفة الذهبية والسجن

تحليل فيلم المخرج الإيراني جعفر بناهي الفائز بالسعفة الذهبية، والذي يكشف عن عمق القهر السياسي في إيران وعلاقة الضحية بالجلاد.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

بعد 15 عاماً من المنع، خرج المخرج الإيراني جعفر بناهي من بلاده بفيلم «مجرد حادث»، ليعود حاملاً السعفة الذهبية ومثيراً جدلاً واسعاً: هل الجائزة تقدير فني خالص أم أنها رسالة سياسية في المقام الأول؟ يطرح الفيلم، الذي استُقبل بحفاوة في مهرجان الجونة السينمائي، هذا السؤال بقوة، خاصة مع سياقه الإنتاجي والسياسي الفريد.

لا يمكن إنكار أن السياسة لعبت دوراً محورياً في الاحتفاء العالمي بالفيلم. فقرار فرنسا بترشيحه لتمثيلها في الأوسكار، وتجاوز الولايات المتحدة لقرار سابق بمنع دخول الإيرانيين ومنح بناهي تأشيرة دخول، كلها مؤشرات على أن الفيلم يُقرأ كبيان سياسي ضد النظام الإيراني. لكن اختزال العمل في هذا البعد وحده يغفل قيمته الفنية كعمل سينمائي متماسك، مؤثر، ومثير للتفكير، يحمل بصمات مخرجه الأسلوبية ببراعة.

ورغم أن الفيلم يبدو صاخباً وحانقاً، ويصب غضبه على القهر الذي يتعرض له المواطن في بلد شمولي، إلا أن لمسات جعفر بناهي الذكية تحوله إلى عمل فني أكثر عمقاً وإنسانية. فهو ينجح في الموازنة بين الصرخة السياسية المباشرة والتأمل الفني الهادئ، ليقدم تجربة سينمائية مركبة تتجاوز حدود اللحظة السياسية الآنية.

بين الضحية والجلاد

تتشابه بنية الفيلم مع مسرحية «الموت والعذراء» للكاتب آريل دورفمان، حيث يجمع حادث عابر بين ضحية تعذيب وشخص يُعتقد أنه جلادها السابق. هنا، يعتقد الميكانيكي وحيد، وهو سجين سياسي سابق، أن رجلاً ذا ساق صناعية تعطلت سيارته هو «إقبال»، المحقق السادي الذي دمر حياة الكثيرين في السجن. يقوم وحيد باختطافه بهدف دفنه حياً، لكن الرجل ينكر هويته ويقدم أوراقاً تثبت أن اسمه رشاد.

يدفع الشك بوحيد إلى الاستعانة بزملائه السابقين في المعتقل للتعرف على الرجل، ومن هنا تتشعب الدراما. تتفاوت ردود أفعال الشخصيات، فبينما يبحث وحيد عن اليقين، تدفع جولي وخطيبها حميد نحو الانتقام الفوري، وتتصاعد حدة الحوارات التي لا تنتقد المحقق فحسب، بل تمتد لتشمل فساد النظام بأكمله. ثم تنقلب الأحداث حين يكتشفون أن زوجة الرجل المخطوف في حالة ولادة طارئة ولا تجد من يوصلها للمستشفى.

هجاء وفانتازيا

يستخدم جعفر بناهي لحظات كوميدية سوريالية لتخفيف حدة التوتر، ناقلاً الفيلم إلى منطقة شبه فانتازية. ومع ذلك، تظل الحوارات الطويلة والغاضبة ضد القمع وفساد النظام هي المهيمنة، حيث ينتقد الفيلم بحدة قوانين مثل عدم قدرة المرأة على دخول المستشفى دون وجود زوجها. هذا الغضب المبرر، النابع من تجربة شخصية مريرة، كان يمكن أن يسقط الفيلم في فخ الخطابة، لولا أنه يتجه في النهاية نحو العقلانية.

في جوهره، يمكن قراءة «مجرد حادث» كأمثولة رمزية عن القهر والانتقام والطبيعة البشرية، وهو قالب برع فيه الأدب والسينما الإيرانية. لكن بناهي يكسر القالب التقليدي، فبدلاً من استخدام الرمز للتلميح إلى الواقع، يستخدم الواقع الصريح والمباشر ليرمز إلى أفكاره وتأملاته، في خطوة فنية جريئة تعكس حالة الغليان التي لم تعد تحتمل التورية.

الرموز المقلوبة ومركز التعاطف

يبدأ الفيلم بمشهد يثير تعاطف المشاهد مع من سيُتهم لاحقاً بأنه الجلاد. نرى رشاد مع أسرته الصغيرة، أباً مهموماً وزوجة محبة وابنة شقية، في مشهد عائلي دافئ. هذه الحيلة، التي تذكرنا بفيلم «البريء» لعاطف الطيب، تنقل مركز التعاطف مبكراً، وتجعل المشاهد في موقع القاضي المحايد الذي يستمع للطرفين، بدلاً من الانحياز الفوري للضحايا. هذا التلاعب بالتعاطف يمنح الفيلم عمقاً نفسياً ويجعله أكثر تشكيكاً في الحقائق المطلقة.

السجين الذي صنع الفيلم

لا يمكن فهم غضب الفيلم دون العودة إلى سيرة مخرجه. تعرض جعفر بناهي للسجن والمنع من السفر وصناعة الأفلام لأكثر من 15 عاماً. ورغم المنع، استمر في إخراج أفلام سرية هُرّبت للخارج وحصدت جوائز عالمية. تجربته الأخيرة في سجن إيفين سيء السمعة لمدة 7 أشهر هي التي شكلت المادة الخام لهذا الفيلم، وهو ما لخصه بقوله: «لست أنا من صنع هذا الفيلم، ولكن الذين سجنوني».

يأتي صوت الفيلم العالي متزامناً مع الحراك السياسي في الشارع الإيراني، خاصة مظاهرات «النساء، الحياة، الحرية». لم يعد المناخ العام يحتمل الرمزية الهامسة، بل يتطلب صوتاً مباشراً يعكس غضباً شعبياً متزايداً. الفيلم هو صدى لهذا الواقع، حيث يمنح بناهي صوتاً للمعتقلين السياسيين الذين لا يُسمع صوتهم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين هم من لا يزالون خلف القضبان.

ينتهي الفيلم بإحالة إلى مسرحية «في انتظار جودو»، في إشارة رمزية إلى إيران التي تقف على مفترق طرق، عالقة بين ماضٍ مؤلم ومستقبل غامض. إن عودة بناهي إلى إيران بعد فوزه في مهرجان كان، رغم المخاطر، هي الرسالة الأقوى، رسالة فنان يصر على أن مكانه هو وطنه، مهما كان الثمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *