في قلب مدينة جدة، حيث تلتقي أمواج البحر الأحمر بطموحات سينمائية عالمية، يتردد اسمٌ لامع. اسمٌ يمثل روح التمرد الفني والصدق الإنساني. إنه شون بيكر، المخرج الأميركي الذي حوّل هوامش المجتمع إلى مركز الحكاية، والذي تم اختياره ليرأس لجنة تحكيم الأفلام الطويلة في الدورة الخامسة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. خطوةٌ لا تُعد مجرد تكليف، بل هي حوار فني بين رؤية سينمائية مستقلة ومنصة تحتفي بالأصوات الجديدة من آسيا وإفريقيا والعالم العربي.
بيكر ليس مجرد مخرج. هو ظاهرة. صانع أفلام يجد الشعر في الأماكن المنسية، ويبني عوالم آسرة من تفاصيل الحياة اليومية القاسية. انطلقت شهرته العالمية بفيلم *Tangerine* عام 2015، الذي لم يكن مجرد قصة، بل كان ثورة تقنية وتعبيرية. لقد صوّره بالكامل باستخدام هاتف iPhone 5S، ليثبت أن جوهر السينما يكمن في الرؤية لا في المعدات باهظة الثمن، فاتحاً الباب أمام جيل جديد من صناع الأفلام الذين يمتلكون قصصاً ليرووها، ولكن بإمكانيات محدودة. ثم جاء فيلمه التحفة *The Florida Project* (2017)، بلوحاته البصرية التي تشبه أحلام أطفال ملونة، والتي تخفي خلفها واقعاً اجتماعياً مؤلماً على عتبات عالم ديزني الساحر، وهو العمل الذي منح النجم ويليم دافو ترشيحاً مستحقاً للأوسكار.
### عدسةٌ على الهامش، وقلبٌ في جدة
تستمر مسيرة بيكر في إبهار العالم، ففيلمه الأخير *Anora* (2024) لم يكن مجرد نجاح، بل كان انتصاراً كبيراً، حيث اقتنص [جائزة السعفة الذهبية المرموقة في مهرجان كان السينمائي](https://www.festival-cannes.com/en/press/press-releases/anora-by-sean-baker-palme-dor-of-the-77th-festival-de-cannes/)، مؤكداً مكانته كأحد أهم المخرجين في السينما المعاصرة. إن أسلوبه، الذي يمزج بين الواقعية القاسية والتعاطف العميق، هو ما يجعل اختياره لرئاسة لجنة تحكيم مسابقة “البحر الأحمر للأفلام الطويلة” منطقياً ومثيراً في آن واحد. فالمسابقة التي تحتضن 16 فيلماً من قارات مختلفة، تتشارك مع بيكر شغفه بسرد قصص لم تُروَ من قبل، والبحث عن الجمال في أكثر الأماكن غير المتوقعة. إنه إيمان مشترك بقوة الحكاية الصادقة. يقول فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائية، إن بيكر “تميّز بتقديم سرد واقعي أصيل ورؤية فنية متميزة دفعت بحدود الإبداع السينمائي إلى آفاق جديدة”. وكأن لسان حاله يقول: لقد وجدنا الشخص المناسب.
### أصواتٌ جريئة على شواطئ البحر الأحمر
من جانبه، استقبل شون بيكر هذا التكليف بحماس يعكس تقديره العميق للمشهد السينمائي العالمي. “يشرّفني أن أرأس لجنة التحكيم… مستكملاً المسيرة التي بدأها المخرج سبايك لي”، هكذا صرّح، في إشارة ذكية إلى الإرث الذي يبني عليه المهرجان. لم يخفِ إعجابه بالطريقة التي “يحتفي بها هذا المهرجان بالأصوات السينمائية الجريئة والمتنوّعة”. هذا التعاون بين بيكر والمهرجان يتجاوز كونه مجرد حدث فني؛ إنه يمثل جسراً ثقافياً بين السينما الأميركية المستقلة، التي كافح بيكر للحفاظ على صالاتها الفنية، وبين المواهب الصاعدة في العالم العربي وإفريقيا وآسيا، التي يمنحها المهرجان منصة أساسية للوصول إلى الجمهور العالمي. ومع اقتراب موعد المهرجان في ديسمبر، تتجه الأنظار إلى جدة، ليس فقط لمشاهدة الأفلام، بل لمراقبة هذا اللقاء الملهم بين فنان عالمي ومهرجان طموح، كلاهما يؤمن بأن السينما قادرة على تغيير نظرتنا للعالم، حكايةً تلو الأخرى.
