سوق التأمين الأفريقي: توقعات بالنمو رغم التحديات ومصر تتجه للريادة
تقرير بنك التنمية الأفريقي يرسم ملامح مستقبل قطاع التأمين في القارة، ويكشف عن دور مصري محوري في قيادة النمو المستدام.

في ظل مناخ اقتصادي عالمي مضطرب، يرسم تقرير حديث صورة متفائلة لمستقبل سوق التأمين الأفريقي، متوقعًا نموًا مطردًا خلال العامين المقبلين. وتبرز مصر كلاعب محوري يسعى لقيادة هذا القطاع الواعد، مستفيدة من إمكانات قارة شابة ومتنامية تبحث عن أدوات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
كشف تقرير «التوقعات الاقتصادية الإفريقية لعام 2025» الصادر عن بنك التنمية الأفريقي عن توقعات بتسارع نمو اقتصاد إفريقيا من 3.3% في 2024 إلى 3.9% في 2025، مع إمكانية بلوغه 4% بحلول 2026. تأتي هذه التوقعات الإيجابية رغم استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والتوترات التجارية العالمية، التي ألقت بظلالها على القارة إلى جانب عوامل محلية كعدم الاستقرار السياسي في بعض المناطق.
هذه البيئة المعقدة لم تمنع قطاع التأمين من إظهار مرونة لافتة. فبحسب النشرة الأسبوعية الصادرة عن اتحاد شركات التأمين المصرية، استقر حجم أقساط التأمين على الحياة في إفريقيا خلال 2023 بعد تعديله وفقًا لمعدلات التضخم. ورغم أن هذا الاستقرار يجعله متخلفًا عن النمو المسجل في الأسواق الناشئة الأخرى، إلا أن معدل اختراق التأمين في إفريقيا بلغ 2.4%، متجاوزًا متوسط الأسواق الناشئة البالغ 1.7%، مما يعكس وجود قاعدة هيكلية يمكن البناء عليها.
على الجانب الآخر، شهد قطاع تأمينات الممتلكات والمسؤوليات انخفاضًا في حجم الأقساط بنسبة 3.2% في 2023، متأثرًا بالضغوط التضخمية. ومع ذلك، تبقى التوقعات متفائلة بتحسن الأداء تماشيًا مع المسار الاقتصادي الصاعد للقارة. ويشير التقرير إلى أن معظم الاقتصادات التسعة الكبرى في القارة من حيث حجم أقساط التأمين شهدت استقرارًا أو تحسنًا طفيفًا في معدلات الاختراق، وهو ما يشي بأن الأسس لا تزال قوية.
محرك تنموي لا مجرد أداة تعويض
لم يعد يُنظر إلى التأمين باعتباره مجرد وسيلة لتعويض الخسائر، بل كأداة تنموية استراتيجية. فالقارة التي يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة تمثل سوقًا ضخمة غير مستغلة، يمكن أن تدفع صناعة التأمين لتحقيق قفزات نوعية. ويؤدي القطاع دورًا محوريًا في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يعمل كممتص للصدمات ومستثمر طويل الأجل في آن واحد.
ويوضح تقرير اتحاد شركات التأمين المصرية أن الدول التي تمتلك أسواق تأمين متطورة، مثل جنوب إفريقيا والمغرب ومصر وكينيا، أظهرت قدرة أكبر على مواجهة الأزمات وتقليل الاعتماد على الديون الخارجية. فالقطاع يمول مشروعات البنية التحتية الحيوية، ويعزز الشمول المالي، ويخفف الأعباء عن الموازنات الحكومية، مما يبرز دوره كشريك أساسي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
تحديات هيكلية وفرص كامنة
رغم الإمكانات الهائلة، لا يزال معدل اختراق التأمين في إفريقيا متدنيًا، حيث لا يتجاوز متوسط مساهمته 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ نحو 7%. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي تشكل في الوقت ذاته خارطة طريق للنمو المستقبلي:
- انخفاض الوعي بأهمية المنتجات التأمينية لدى شرائح واسعة من السكان.
- ارتفاع معدلات الفقر التي تجعل التأمين رفاهية لا أولوية.
- نقص البيانات الدقيقة اللازمة لتسعير المخاطر بشكل فعال وعادل.
- محدودية الابتكار في تصميم منتجات تتناسب مع احتياجات السوق المحلية.
مصر تقود الطموح الأفريقي
في هذا السياق، تبرز مصر كقوة دافعة تسعى لتحويل هذه التحديات إلى فرص. ويرى الاتحاد المصري للتأمين أن التكنولوجيا التأمينية (Insurtech) هي مفتاح الوصول إلى الشرائح غير المغطاة، حيث بدأت الشركات في شرق وغرب القارة بالفعل في استخدام حلول رقمية عبر الهواتف المحمولة. وتعمل الدولة المصرية على ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لصناعة التأمين وإعادة التأمين في أفريقيا.
وتجسد هذا التوجه في استضافة مصر «الملتقى الثامن والعشرين لإعادة التأمين لمنظمة التأمين الأفريقية» في أكتوبر 2024، والذي ركز على التنسيق بين الأسواق في ضوء اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA). ومع ترقب ترؤس مصر منظمة التأمين الأفريقية في 2026، تتزايد الفرص لتعزيز الشراكات وتوسيع مجالات التعاون.
وتشمل خطة عمل الاتحاد للفترة 2025-2029 تأسيس مختبر للابتكار في التأمين وإطلاق برامج تدريبية موسعة للعاملين في القطاع بمصر والدول الأفريقية. هذه الخطوات لا تعكس طموحًا مصريًا فحسب، بل تمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل سوق التأمين الأفريقي بأكمله، إدراكًا لأهميته في بناء اقتصاد قاري أكثر مرونة واستدامة.









