فن

سوق البحر الأحمر السينمائي: حيث تلتقي الحكايات برأس المال في قلب جدة الفني

نظرة عميقة على أكبر أسواق السينما في العالم العربي، حيث تتشكل ملامح المستقبل السينمائي بين حوارات الخبراء وأحلام المواهب الصاعدة.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

على ضفاف جدة، حيث تمتزج أصوات الموج بحركة المدينة النابضة، ينبثق مشهد فني فريد. إنه سوق البحر الأحمر، الذي يعود هذا العام ليؤكد مكانته كقلب الصناعة السينمائية في المنطقة. من السادس وحتى العاشر من ديسمبر، تتحول المدينة إلى ملتقى عالمي يجمع الحلم بالواقع، والفكرة بالتمويل.

المشهد يبدو أكبر هذا العام. أكثر من 160 جهة عرض من 45 دولة تتخذ من أجنحته مقراً لها، في زيادة ملحوظة بنسبة 20% عن دورته السابقة، مما يعكس ثقة دولية متنامية في هذا الفضاء الإبداعي. لم يعد السوق مجرد منصة، بل أصبح منظومة حية تجمع بين المواهب التي تخطو أولى خطواتها، وصناع الأفلام المخضرمين، ورواد الصناعة الذين يرسمون ملامح المستقبل.

نبض سوق البحر الأحمر

أصداء الحوار: نبض الصناعة العالمية

في قلب السوق، تدور حوارات لا تهدأ. إنها سلسلة الندوات التي تستضيف نخبة من العقول المؤثرة في السينما العالمية. هنا، لا تُطرح الأسئلة التقليدية، بل يُعاد تعريف الصناعة نفسها. تجلس شخصيات بارزة مثل ديفيد دافولي من “أنونيموس كونتنت”، وتميم فارس من “ديزني+”، وإيمان مزهر جبران من “نتفلكس”، لمناقشة قضايا مركزية تشكل وعينا البصري اليوم. كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي صياغة السرد؟ وما هي طبيعة القصص التي يبحث عنها الجمهور السعودي المتنامي؟

هذه الجلسات ليست مجرد محاضرات، بل هي مختبرات أفكار حية. يشارك فيها علاء فادن من “تلفاز11” ووانجي مبا-أوزوكوو من “أكونا جروب”، ليقدموا رؤى تمتد من الإنتاج المشترك العابر للحدود إلى مستقبل منصات البث. إنها محادثة ضرورية، ترسم خريطة طريق للمحتوى القادم من المنطقة وإليها. “نحن لا نناقش فقط ما يحدث الآن،” يبدو أن لسان حالهم يقول، “بل نصنع ما سيحدث غداً”.

جواهر البحر الأحمر: حيثُ تُصقل الأحلام

بعيداً عن صخب الصفقات، هناك مساحة أكثر هدوءاً وحميمية. إنه برنامج “مواهب السوق”، الحاضنة التي ترعى الجيل القادم من السينمائيين العرب. يتوسع برنامج “الجواهر” هذا العام ليصبح رحلة متكاملة لصقل المهارات، مقدماً أربعة مسارات متخصصة تعكس عمق الرؤية الفنية للمهرجان.

هنا، يجد المخرجون الشباب في مسار “جواهر صُنّاع الأفلام” ضالتهم، بينما يتعلم النقاد في “إتقان النقد السينمائي” كيف يصبحون جسراً بين العمل الفني والجمهور. أما مسار “جواهر الفيلم القصير”، بالتعاون مع شركاء مثل مهرجان كليرمون فيران، فيحول الأفكار الوليدة إلى مشاريع ناضجة. في جلسة بعنوان “كيف تجعل فيلمك القصير يتألق”، تقدم المنتجة الكندية جينيفر تشين خلاصة خبرتها، بينما تستعرض المخرجة شيرين دعيبس رحلتها الملهمة في جلسة “حب السينما”. هنا، الفيلم القصير ليس مجرد مشروع، بل هو بطاقة تعريف إلى العالم.

نبض سوق البحر الأحمر

جسور من الضوء: لقاء الشرق والغرب

لا تكتمل الصورة دون تلك اللحظات العفوية التي تولد فيها الشراكات الكبرى. يوفر السوق فرصاً يومية للتواصل، من خلال لقاءات سريعة لا تتجاوز 15 دقيقة، أشبه ما تكون بـ”تعارف سريع” بين المبدعين وأصحاب القرار. هذه اللقاءات، التي تُنظم بالتعاون مع هيئات دولية مثل مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، تبني جسوراً حقيقية بين الثقافات والأسواق.

وبالتوازي، ينبض “سوق المشاريع” بالحياة، مقدماً 40 مشروعاً سينمائياً وتلفزيونياً من أفريقيا وآسيا والعالم العربي. هذه المشاريع، التي لا تزال في مراحل مختلفة من الإنتاج، هي القصص التي تنتظر من يمنحها الضوء لتصل إلى الشاشة الكبيرة. إنها شهادة على أن سوق البحر الأحمر ليس مجرد مكان لبيع وشراء الأفلام، بل هو المكان الذي تولد فيه. لمعرفة المزيد عن دورات المهرجان السابقة وتأثيرها، يمكن زيارة الموقع الرسمي لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.

في نهاية المطاف، يقف سوق البحر الأحمر كحدث ثقافي وفني بامتياز. إنه مساحة حيوية حيث لا تُعرض الحكايات فقط، بل تُصنع وتُدعم وتُنقح، لتخرج من قلب جدة وتتردد أصداؤها في جميع أنحاء العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *