
مخاطر صحية جسيمة، تثيرها مواد كيميائية مصنعة في بيئتنا، قد لا تتوقف عند الجيل الحالي، بل تترسخ في المادة الوراثية للأجيال القادمة، وتنتقل عبرها لعقود طويلة.
دراسة حديثة كشفت أن التعرض لمرة واحدة لمبيد فطريات يسمى «فينكلوزول» خلال فترة الحمل، رفع من احتمال الإصابة بالأمراض على مدار 20 جيلًا من الفئران. لاحظ الباحثون أن الخطر لم يكتف بالبقاء، بل ازداد سوءًا مع استمرار تفاقم المشاكل الصحية المتوارثة لدى هذه الفئران. خطر يتصاعد، لا يتوقف.
نتائج الدراسة، رغم أنها أجريت على فئران، تحمل دلالات خطيرة على البشر. يشير معدو الدراسة إلى أن هذا النموذج الثديي المألوف يقدم إشارات قوية لتداعيات محتملة على صحة الإنسان.
تشير هذه الأبحاث إلى تفسير محتمل لارتفاع معدلات الكثير من الأمراض المزمنة. فربما يعود تشخيص شخص ما اليوم إلى تعرض أحد أجداده لمواد سامة محددة قبل عقود. في مصر ودول عربية أخرى، حيث يتزايد استخدام المبيدات والمواد الكيميائية في الزراعة والصناعة، يصبح هذا التساؤل أكثر إلحاحًا، ويضع عبئًا على الأجيال القادمة.
يتجاوز الأمر تحديد أصول المرض. يرى الباحثون أن التحقيقات في التوارث الجيني عبر الأجيال (التغيرات التي تطرأ على طريقة عمل الجينات دون تغيير تركيبها الأصلي) يمكن أن تسهم في تطوير علاجات جديدة. أبحاث تنظيم الجينات نجحت بالفعل في تحديد علامات حيوية للأمراض، قد تلهم خيارات علاجية غير مألوفة.
يؤكد خبراء أن هذه المشكلة ليست عابرة، بل تتطلب تحركًا عاجلاً. يمكن لعلم تنظيم الجينات أن ينقل الطب من مجرد العلاج بعد المرض إلى الوقاية. هذا المفهوم ليس جديدًا؛ فقد جرى تحديده قبل عقدين، واستمرت دراسته منذ ذلك الحين.
تحدث هذه التغيرات حين يتأثر عمل الجينات في الخلايا التناسلية (البويضات والحيوانات المنوية) دون أن يتغير الحمض النووي نفسه. هذا يغير كيفية عمل جينات أساسية في الجسم. يُظهر بحث سابق أن خطر الأمراض الموروثة قد يفوق الضرر الناتج عن التعرض المباشر للمادة السامة.
عندما تتعرض الأم الحامل للمادة الكيميائية، يتعرض الجنين بدوره، وتتعرض خلاياه التناسلية. ينتقل هذا التأثير إلى الأبناء ثم أحفادهم، وهكذا. فمتى استقرت هذه التغيرات في المادة الوراثية، تصبح ثابتة كالتغير الجيني.
في دراسة سابقة، راقب الباحثون فئرانًا لعشرة أجيال بعد تعرض واحد لمبيد الفينكلوزول، وهو مادة ربطتها أبحاث سابقة باضطرابات هرمونية وسرطانات. أظهرت الدراسة أن التعرض للمادة زاد من خطر الأمراض لدى الفئران، واستمر هذا التأثير عبر الأجيال العشرة كلها. سؤال حاد يفرض نفسه: إلى متى يستمر هذا الخطر، وإلى أي مدى يتفاقم؟
توسعت الدراسة الجديدة، وتابعت نفس سلالة الفئران المعرضة للفينكلوزول لغاية عشرين جيلًا. اكتشف الباحثون نمطًا عنيدًا من الأمراض في كلى الفئران والبروستاتا والخصيتين والمبايض، ضمن مشاكل صحية أخرى. تدهورت الخطورة في الأجيال المتأخرة، حين بدأت أعداد كبيرة من الأمهات وصغارها تموت أثناء الولادة.
في الأجيال الأولى، استقرت معدلات الإصابة بالأمراض. لكن مع بلوغ الجيل الخامس عشر، بدأت معدلات الأمراض تتصاعد بشكل ملحوظ. بحلول الأجيال السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة، تفاقم الوضع. ظهرت تشوهات خطيرة أثناء الولادة: إما تموت الأم أو تموت جميع صغارها. كارثة وراثية صامتة.
يؤكد باحثون أن دراسات سابقة رصدت تغيرات جينية مماثلة في الخلايا التناسلية البشرية، تتوافق مع ما لوحظ في الفئران. في الوقت نفسه، تشهد معدلات الأمراض المزمنة ارتفاعًا لدى البشر. قد لا تثبت هذه الأبحاث ارتباطًا مباشرًا، لكن توقيت هذا الارتفاع يتزامن مع انتشار متزايد للمبيدات والمواد الكيميائية المصنعة. هذا يثير تساؤلات حادة في دول مثل مصر التي تشهد تزايدًا في استخدام الأسمدة والمبيدات الزراعية دون رقابة كافية، مما يطرح شبح انتقال هذه السموم عبر الأجيال.
أجيال الفئران العشرين تمر في سنوات قليلة. لكن للبشر، قد يستغرق الأمر نصف ألف عام. يرى خبراء أن أبحاث تنظيم الجينات يمكن أن تفتح مسارات جديدة للتدخل الطبي.
تتوافر حاليًا علامات جينية (بيولوجية) لدى البشر تشير إلى قابلية الإصابة بنحو عشرة أمراض مختلفة. هذه العلامات لا تعني الإصابة بالمرض الآن، بل تنبئ باحتمالية ظهوره خلال عشرين عامًا. هذا يتيح اتخاذ سلسلة كاملة من الإجراءات الطبية الوقائية قبل ظهور المرض، بهدف تأخيره أو منعه كليًا.
نشرت الدراسة في دورية ‘وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم’.









