سكك حديد مصر.. معركة الوعي لحماية استثمارات المليارات
من أسيوط إلى كل محافظات مصر.. كيف تخوض الدولة معركة تغيير السلوك المجتمعي لحماية شريان النقل الرئيسي؟

في خطوة تتجاوز مجرد التحديث الفني، تخوض الهيئة القومية لسكك حديد مصر معركة جديدة محورها “الوعي”، بهدف حماية استثمارات بمليارات الجنيهات ضُخّت في شرايين هذا المرفق الحيوي. لم يعد الأمر يقتصر على تطوير القطارات والقضبان، بل امتد ليشمل بناء ثقافة مجتمعية تحافظ على هذه المكتسبات، وهو ما تجسد مؤخرًا في ندوة توعوية بمحافظة أسيوط، كنموذج لحملة وطنية أوسع نطاقًا.
من أسيوط.. رسالة مزدوجة للطلاب
لم تكن الندوة التي استضافتها مدرسة خديجة يوسف الثانوية بأسيوط مجرد لقاء تقليدي، بل كانت منصة لعرض وجهي الحقيقة؛ الأول تمثل في عرض فيلمي يوثق حجم الإنجاز والتطوير الهائل الذي شهدته منظومة سكك حديد مصر، من تحديث للقطارات وتطوير للمحطات وأنظمة الإشارات. أما الوجه الثاني، فكان تحذيريًا، حيث سلط الضوء على السلوكيات السلبية التي لا تزال تشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة المواطنين واستدامة الخدمة.
شملت قائمة السلوكيات الخطرة اقتحام المزلقانات، وإلقاء الحجارة على القطارات، وهي ممارسات يصفها مراقبون بأنها “نزيف مستمر في جسد المرفق”، حيث تتسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة، وتعطل حركة التشغيل التي تسعى الدولة لانتظامها. ويشير محللون إلى أن إشراك المؤسسات الدينية، ممثلة في بيت العائلة المصرية والأزهر والكنيسة، يهدف إلى إضفاء بعد قيمي وأخلاقي على الحملة، لتصل الرسالة إلى أعمق طبقات المجتمع.
أبعد من مجرد حملة.. استراتيجية دولة
يأتي هذا التحرك ضمن استراتيجية وطنية متكاملة لا تقتصر على وزارة النقل وحدها، بل تشمل تضافر جهود وزارات ومؤسسات سيادية مثل الأوقاف والشباب والرياضة والهيئة العامة للاستعلامات. يرى الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية، أن “الدولة المصرية أدركت أن استدامة المشروعات القومية الكبرى لا تعتمد على جودة التنفيذ الهندسي فحسب، بل ترتبط بشكل وثيق بمدى وعي المواطن وقدرته على أن يكون شريكًا في الحفاظ عليها”.
هذه الحملات التوعوية تمثل، بحسب خبراء، تحولًا في الفلسفة الحكومية من التركيز على “البناء المادي” إلى الاهتمام بـ”بناء الإنسان”، وهو المواطن الذي يُعد حجر الزاوية في نجاح رؤية الجمهورية الجديدة. فالتفاعل الإيجابي الذي شهدته ندوة أسيوط من الطلاب والمعلمين يعكس قبولًا مجتمعيًا لهذه الشراكة، ويؤكد أن الرسالة بدأت تصل إلى الفئات المستهدفة.
تأمين المستقبل يبدأ من الفصول
في المحصلة، فإن ما تقوم به هيئة سكك حديد مصر ومؤسسات الدولة يتجاوز كونه مجرد ندوات توعوية، ليرقى إلى مستوى استثمار طويل الأمد في العقول. فبناء جيل جديد يدرك أن المرفق العام ملكية جماعية ومسؤولية مشتركة هو الضمانة الحقيقية لاستمرارية التنمية. إنها محاولة جادة لترسيخ فكرة أن حماية القطار والمحطة لا تقل أهمية عن تطويرهما، وأن المواطن ليس مجرد مستفيد من الخدمة، بل هو حارسها الأول والأخير.









