سكاي هوبينكا: النحاس يحكي ذاكرة الأرض في ‘بارنز فاونديشن’
تركيب 'رماد المعدن الأحمر' يعيد صياغة المشهد الأمريكي بمنظور السكان الأصليين

في فيلادلفيا، تستضيف مؤسسة بارنز تركيباً فنياً جديداً، عنوانه “رماد المعدن الأحمر”. وراء هذا العمل الفنان سكاي هوبينكا، وهو من قبيلتي هو-تشانك وباتشانغا باند من لويسينو إنديانز. يقدم هوبينكا رؤيته للمشهد الأمريكي عبر 11 لوحة ضخمة. تتداخل فيها صور فوتوغرافية للطبيعة مع ألواح نحاسية، لتعيد غربلة التاريخ الأمريكي من منظور السكان الأصليين.
العمل يمتد حتى يناير المقبل. يدعو المتلقي للتفكير في دورات الزمن: الماضي، الحاضر، والمستقبل. النحاس، هذا المعدن الحي، يتفاعل مع محيطه ومع كل لمسة، يروي حكايات البلى والتغير. هذا التفاعل المستمر يجسد حواراً بصرياً بين العمل الفني والجمهور، شاهداً على مرور الزمن وتأثير الوجود البشري. يتغير لونه، يتنفس، يعكس البيئة الحية. “النحاس هنا مرآة لكل من مر بالمكان”، يقول هوبينكا.
منذ عام ونصف، انطلق هوبينكا في رحلة توثيق للمشهد الأمريكي. صوراً التقطت من نافذة قطار أمتراك العابر للولايات. مشاهد جوية من السماء. رحلة شملت ولايتي أريزونا وواشنطن، حيث سواحلها التي يحب تصويرها. وصل إلى تولسا وتاهليكوا بأوكلاهوما. هذه ليست مسحاً شاملاً، بل هي محطات شخصية، أماكن تحمل له أهمية، عبرها أو أقام بها مشاريع أخرى.
“رماد المعدن الأحمر” (mąąsšuc) تعبير من لغة الهو-تشانك يعني “المعدن الأحمر”. الجزء الثاني من العنوان، “الرماد”، مستوحى من قصص تقليدية ترى أصل البشر من التراب. النحاس ليس مجرد مادة. ثقافياً، هو “النسل الثالث لحجر آخر” في قصص الهو-تشانك. له استخدامات ومعان عميقة، تتجاوز قبائل الفنان لتمتد عبر القارات. النحاس يمتلك تاريخاً يناهز آلاف السنين من الاستخدام من قبل الشعوب الأصلية حول العالم، لا سيما في الحضارات القديمة كالمصرية وبلاد الرافدين، مما يبرز عمقه التاريخي قبل أي ارتباطات حديثة.
الفنان لا يريد لعمله أن يُؤطر باحتفالات الذكرى السنوية لتأسيس الولايات المتحدة. يرفض ربطه برموز مثل تمثال الحرية أو عملات البنس الأمريكية. هذا العمل يتجاوز 250 عاماً من التاريخ الأمريكي الحديث. يسعى لربط الحاضر بالماضي الأبعد، بالوجود المستمر للشعوب الأصلية. “هناك تاريخ طويل لشعوب السكان الأصليين في هذه المدينة، وفي هذا البلد، لكننا هنا اليوم”، يؤكد هوبينكا.
في إحدى لوحاته، “بلا عنوان 11″، يظهر أشخاص يبتعدون بظهورهم للكاميرا. هذه الصورة تحدٍ مباشر للصورة النمطية “الهندي الذي يمشي باتجاه غروب الشمس، تاركاً الأرض بسلام للمستوطنين البيض”. هي صورة التُقطت في محمية طبيعية. النحاس هنا يصبح تدخلاً فنياً، يؤطر الحياة والوجود. يجسد استمرارية التواجد، لا الانسحاب.
كل الصور التُقطت على فيلم، بعضها متوسط الحجم وبعضها 35 ملم. العمل أشبه بيوميات بصرية. يضيف هوبينكا طبقات شفافة فوق الصور، تقنية استخدمها سابقاً في سلسلته “الأرض تصف نفسها” (2019). هذه الطبقات ليست مجرد زينة، بل “تدخل آخر يؤثر في المشهد بطريقة تتحدث عن ذاكرتي له”.
ماذا يأمل هوبينكا أن يأخذ الجمهور من عمله؟ “هذه الأعمال لا توجد في فراغ. إنها حوار مع أشياء كثيرة”. التفسيرات، القصص، والخبرات التي يجلبها الناس معهم، هي جزء من حياة العمل. هذا ما يجعل الفن حياً. هذا التفاعل هو جوهر الفن، يستمر حتى بعد مغادرة الفنان. هذا ما يعكس استمرارية الوجود، لا التوقف.









