سفير تركيا بالقاهرة: العلاقات مع مصر تشهد “تعاونًا استراتيجيًا حقيقيًا” وتزايدًا في الاستثمارات
بعد سنوات الجفاء.. القاهرة وأنقرة ترسمان ملامح شراكة اقتصادية وسياسية عميقة.

في أروقة الدبلوماسية بين القاهرة وأنقرة، تتسارع الخطى بشكل لافت. الاجتماع المرتقب لمجموعة التخطيط المشتركة في تركيا ليس مجرد تحضير روتيني، بل هو مؤشر واضح على رغبة مشتركة في بناء أسس صلبة لعلاقة شهدت الكثير من التقلبات. يبدو أن صفحة الماضي قد طُويت بعناية، وبدأت ملامح فصل جديد أكثر واقعية وبراغماتية في الظهور.
مسار سياسي
منذ نوفمبر 2022، عادت المياه إلى مجاريها السياسية بوتيرة مدروسة. يؤكد السفير التركي بالقاهرة، صالح موطلو شن، أن العلاقات عادت إلى “مسارها الطبيعي”، وهو تعبير دبلوماسي يعني أن الإرادة السياسية العليا حسمت أمرها. تتويج هذا المسار كان إنشاء مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في فبراير 2024، والذي يمثل، بحسب مراقبين، “مأسسة” العلاقة ونقلها من تفاهمات ظرفية إلى إطار عمل دائم ومستقر.
زخم الزيارات
الزيارات المتبادلة بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان لم تكن مجرد بروتوكول، بل رسائل سياسية قوية للداخل والخارج. توقيع 17 اتفاقية خلال زيارة الرئيس السيسي لأنقرة يضع إطارًا قانونيًا وتنفيذيًا لهذه الشراكة، مما يحول النوايا الحسنة إلى مشروعات ملموسة على الأرض. الأمر لم يعد مجرد مصافحات أمام الكاميرات، بل تحول إلى عمل مؤسسي حقيقي.
محرك اقتصادي
لغة الأرقام غالبًا ما تكون الأكثر صدقًا. تجاوز حجم التجارة 8 مليارات دولار في 2024 ليس مجرد رقم قياسي، بل هو دليل على أن المصالح الاقتصادية كانت المحرك الصامت الذي دفع بعجلة المصالحة إلى الأمام. يرى محللون أن الاقتصاد هو الضمانة الأقوى لاستدامة هذه العلاقة، حيث تخلق الاستثمارات المتزايدة، مثل مصانع “بيكو” و”هيات كيميا”، شبكة مصالح يصعب فكها.
وجهة استثمارية
مصر، بموقعها الجغرافي وقوتها العاملة واتفاقياتها التجارية مثل “الكويز”، تقدم نفسها كبوابة مثالية للمستثمرين الأتراك ليس فقط للسوق المحلي، بل للأسواق الأفريقية والعالمية. هذا الترابط الاقتصادي يخلق حالة من “الاعتماد المتبادل الإيجابي”، الذي يعزز الثقة ويقلل من احتمالات أي انتكاسة سياسية مستقبلية. ففي النهاية، منطق الأعمال يتجاوز أحيانًا تعقيدات السياسة.
جسور ثقافية
لم تقتصر جهود التقارب على السياسة والاقتصاد. تسهيل منح التأشيرات للأتراك، الذي ضاعف أعداد السياح، خطوة ذكية لترميم الجسور الشعبية التي تأثرت خلال سنوات التوتر. كما أن الاحتفال بالذكرى المئوية للعلاقات في 2025 عبر فعاليات فنية وثقافية مشتركة هو استثمار في “القوة الناعمة”، يهدف إلى تذكير الشعبين بالروابط التاريخية العميقة التي تجمعهما.








