صحة

سر التصلب الجانبي الضموري: دراسة تكشف العبء الخفي للخلايا العصبية

دراسة يابانية تكشف سر التصلب الجانبي الضموري: العبء الخفي للخلايا العصبية هو السبب الحقيقي

في اختراق علمي قد يعيد رسم خريطة فهم أحد أكثر الأمراض العصبية غموضًا، كشفت دراسة يابانية حديثة أن سبب انهيار الخلايا العصبية في مرض التصلب الجانبي الضموري ليس المرض نفسه، بل “عبء خفي” تتحمله هذه الخلايا بطبيعتها. هذا الاكتشاف لا يحل لغزًا استمر لأكثر من قرن ونصف، بل يفتح آفاقًا جديدة لتطوير علاجات كانت تبدو بعيدة المنال.

لغز استعصى على العلم

ظل مرض التصلب الجانبي الضموري، الذي يؤدي إلى فقدان القدرة على الحركة، أحد أكبر التحديات في مجال أبحاث الأعصاب. وكان السؤال المحوري دائمًا: لماذا يستهدف المرض الخلايا العصبية الحركية الكبيرة تحديدًا، بينما تظل خلايا أخرى في الجهاز العصبي سليمة نسبيًا؟ قدم فريق من الباحثين في المعهد الوطني للوراثة باليابان إجابة مفصلة، معتبرين أنهم كشفوا عن نقطة الضعف الكامنة في هذه الخلايا العملاقة.

العبء الخفي للخلايا العملاقة

باستخدام تقنية تصوير فائقة الدقة على أسماك الزرد الشفافة، وهي نموذج مثالي لدراسة الأعصاب الحية، لاحظ الباحثون أن الخلايا العصبية الحركية الكبيرة، المسؤولة عن الحركات الجسدية القوية، تعيش تحت ضغط داخلي مستمر. هذا الضغط، الذي أطلقوا عليه “إجهاد البروتيوم المرتبط بحجم الخلية”، ينبع من عمليات التحلل المكثفة التي تحتاجها الخلية للحفاظ على توازنها الداخلي وجودة بروتيناتها.

وأظهرت الصور أن هذه الخلايا تشغل باستمرار ثلاث آليات حيوية بأقصى طاقة: الالتهام الذاتي لإزالة المكونات التالفة، ونشاط البروتيازوم لتكسير البروتينات، واستجابة البروتين غير المطوي كنظام إنذار مبكر. بعبارة أخرى، هذه الخلايا في حالة “صراع دائم” للحفاظ على نفسها، وهو عبء لا تتحمله الخلايا الأصغر حجمًا بنفس الدرجة، مما يفسر هشاشتها الكامنة.

دور بروتين TDP-43

تكمن المفاجأة في أن هذا العبء الطبيعي يتفاقم بشكل كارثي عند فقدان بروتين TDP-43، وهو البروتين الذي يرتبط بمعظم حالات التصلب الجانبي الضموري. أوضحت الدراسة أن فقدان هذا البروتين يؤدي في البداية إلى تسريع عمليات التحلل الخلوي، في استجابة تبدو دفاعية لمساعدة الخلية على التخلص من المكونات الضارة ودعم نمو محاورها العصبية.

لكن هذا النشاط المتزايد سرعان ما يتحول من حل إلى مشكلة. فالزيادة المفرطة في عمليات التحلل ترهق الخلية وتستنزف مواردها حتى تصل إلى نقطة الانهيار. وبهذا، فإن ما يبدأ كآلية وقائية يصبح هو الشرارة التي تسرع موت الخلايا العصبية الحركية بشكل انتقائي، وهو ما يفسر الطبيعة التقدمية والمدمرة للمرض.

تحول في فلسفة العلاج

يقول كازوهيدي أساكاوا، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذه النتائج تمثل تحولًا في طريقة التفكير حول المرض. فبدلاً من التركيز على محاولة إنعاش الخلايا بعد تلفها، يجب أن يتجه الجهد العلمي نحو تقليل الإجهاد الخلوي الذي تتعرض له باستمرار. هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية تهدف إلى تخفيف هذا “العبء الخفي”.

قد تشمل هذه الاستراتيجيات تطوير أدوية تقلل من نشاط التحلل المفرط، أو تعدل وظائف البروتينات التنظيمية للحفاظ على توازن الخلية. إن فهم العلاقة بين حجم الخلية ومتطلباتها الأيضية وهشاشتها قد لا يخدم أبحاث التصلب الجانبي الضموري فقط، بل قد يمتد ليشمل الأمراض العصبية التنكسية الأخرى مثل الشلل الرعاش والزهايمر، التي تتميز أيضًا بتدهور انتقائي لأنواع معينة من الخلايا.

في النهاية، تعيد الدراسة صياغة السؤال الأساسي: لمَ تموت هذه الخلايا تحديدًا؟ الإجابة تكمن في التوازن الدقيق بين القوة والضعف. فالخلايا الأكبر والأكثر قوة هي أيضًا الأكثر هشاشة لأنها تعيش على حافة الإجهاد الدائم. وكشف هذا “العبء الخفي” لا يفسر فقط سبب استعصاء المرض على العلاج حتى الآن، بل يرسم طريقًا جديدًا لمساعدة هذه الخلايا على تحمل الضغط الذي تعيشه يوميًا، بدلاً من انتظار انهيارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *