عرب وعالم

سباق القطب الشمالي: الغرب يحاول اللحاق بروسيا والصين في جبهة الجليد

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

في ظل سباق جيوسياسي محتدم، يسعى الغرب جاهداً لسد الفجوة مع روسيا والصين في القطب الشمالي، المنطقة التي تحولت إلى ساحة صراع استراتيجي. وتكشف التحديات اللوجستية والبيئية القاسية عن حجم الصعوبات التي تواجه الحلفاء في تأمين هذه الجبهة الحيوية، حيث يتطلب الدفاع عنها ميزانيات ضخمة وعزيمة غير مسبوقة.

رحلة محفوفة بالمخاطر

تُجسد رحلة السفينة التجارية الكندية “نوناليك” حجم هذه التحديات. فبعد إبحارها لمسافة 2500 ميل بحري وسط عاصفة قطبية مفاجئة، وصلت السفينة متأخرة نصف ساعة فقط إلى وجهتها في جرينلاند. كانت تحمل شحنة مواد بناء حيوية لتطوير محطة تجسس كندية، وهي جزء من البنية التحتية الاستخباراتية الغربية لمراقبة الجيش الروسي. لكن هذا التأخير البسيط كان كفيلاً بتعطيلها، حيث تزامن وصولها مع بداية عطلة نهاية الأسبوع لعمال الميناء في قاعدة بيتوفيك الفضائية الأميركية، مما أجبرها على الانتظار في عرض البحر.

ازدادت الأمور سوءًا عندما هبت رياح عاتية بسرعة 50 عقدة، مما أدى إلى انجراف السفينة وتشابك سلاسل مرساها الذي يزن 2.5 طن. وبعد أربع ساعات من الانجراف الخطير بين جبال جليدية وبالقرب من كابل ألياف ضوئية حيوي تحت الماء، وعطلة نهاية أسبوع من العواصف الثلجية، تمكن الطاقم أخيراً من تفريغ الحمولة. تعكس هذه الواقعة كيف يمكن لأبسط جوانب العمليات في القطب الشمالي أن تتحول إلى أزمة معقدة.

جبهة جيوسياسية متجمدة

لم تكن الشحنة متجهة إلى جرينلاند في الأساس، بل كان من المقرر نقلها جوًا إلى منطقة “أليرت”، وهي محطة استخبارات كندية متقدمة تبعد 500 ميل فقط عن القطب الشمالي. ويشير مسؤولون كنديون إلى أن فقدان أي جزء من هذه الشحنة كان سيؤدي إلى تأخير أعمال البناء لمدة عام كامل. هذا الاعتماد الهش على خطوط الإمداد يبرز الضعف اللوجستي للغرب في منطقة أصبحت ذات أهمية استراتيجية قصوى.

وإذا اندلعت حرب شاملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، فسيكون القطب الشمالي في قلب المواجهة. فالمنطقة تحتضن أسطول الشمال الروسي بترسانته النووية المتقدمة، كما أنها تمثل أقصر مسار لهجوم صاروخي روسي محتمل على الولايات المتحدة. هذا التفوق الجغرافي الروسي، المقترن بعقود من التوسع العسكري في المنطقة، يضع “الناتو” في موقف حرج.

فجوة استراتيجية ومحاولات للحاق بالركب

يرى محللون أن نفوذ “الناتو” يتراجع بشكل حاد في القطب الشمالي، وهو ما يعود جزئياً إلى تركيز الجيوش الغربية خلال العقدين الماضيين على حروب مكافحة الإرهاب في بيئات صحراوية، وهي خبرات لا يمكن تطبيقها في الشمال المتجمد. لكن انشغال روسيا في الحرب في أوكرانيا قد يمنح الغرب فرصة نادرة للحاق بالركب، رغم أن بناء وجود عسكري فعال هناك يشبه البدء من الصفر.

وفي هذا السياق، تتزايد الجهود الغربية لتعزيز قدراتها الدفاعية. فقد تعهدت كندا بتخصيص 4.3 مليار دولار أمريكي لتطوير أنظمة الرادار بعيدة المدى وتحديث قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية. كما أعلنت الولايات المتحدة عن خطط لنشر درع صاروخي من الجيل الجديد، في محاولة لمواجهة التهديدات الصاروخية التي تمر عبر المنطقة القطبية.

تحديات تكنولوجية وعسكرية

في المقابل، لم تتوقف روسيا عن توسيع قواعدها، بينما أعلنت الصين نفسها “دولة شبه قطبية” ونشرت كاسحات جليد وسفن أبحاث في المنطقة، بل ونفذت قاذفاتها دوريات مشتركة مع روسيا قرب ألاسكا. وقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن تحدٍ آخر، وهو استخدام روسيا لـصواريخ كروز التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، والتي لا يمتلك الغرب دفاعات فعالة ضدها حتى الآن، مما يزيد من تعقيدات الأمن القطبي.

وتُعد قاعدة بيتوفيك في جرينلاند، ومحطة “أليرت” في كندا، ركائز أساسية لجمع المعلومات الاستخباراتية الغربية عن التحركات الروسية. لكن العمل في هذه القواعد محفوف بالمخاطر، كما يتضح من حادثة تحطم طائرة نقل عام 1991 قرب “أليرت”، حيث استغرقت فرق الإنقاذ أكثر من 30 ساعة للوصول إلى الموقع وسط عاصفة ثلجية وظلام دامس، مما يبرز أن الطبيعة القاسية تظل الخصم الأكبر في هذا الصراع الجيوسياسي المتجمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *